حملت نهاية الأسبوع الماضي تطوراً مثيراً: أعلنت وزيرة الشئون الاجتماعية والعمل الكويتية ذكرى الرشيدي إنها ستتبع استراتيجية لتقليص العمالة الوافدة بواقع 100 ألف عامل سنوياً وصولاً لتخفيض مليون عامل خلال عشر سنوات.
وأضافت الرشيدي إن وزارتها تسعى لتنظيم العمالة الوافدة في سوق العمل الكويتي لتصحيح خلل التركيبة السكانية ولوقف ازدياد تلك العمالة وللقضاء على ظاهرة العمالة الهامشية.
وستكون خطوة الوزيرة الأولى هي إيقاف تحويل بطاقات الدعوة لاستقدام العمالة بأنواعها بدءاً من أول أبريل المقبل، وإنهاء إجراءات موافقات سابقة ومستتبعات أذونات عمل صدرت قبل هذا التاريخ.
وستنضم وزارة الرشيدي للجنة رابط آلي لوزارة التجارة والصناعة والبلدية. وستقوم غرفة تجارة الكويت بتوفير وصف وظيفي لرجل الأعمال. وسيقتصر صرف عمالة مقررة لأصحاب العمل من مواطني دول مجلس التعاون الخليجي دون الخارج. وستُشكل فرق للتفتيش على أصحاب العمل للتحقق من مدى التزامهم بأحكام القانون في القطاع الأهلي.
ولنبدأ من الآخر. فطلب العون في مسألة العمالة الأجنبية من دولة خليجية ليس به كثير مدلول عملي. ولو انتظرت الوزيرة قليلاً فلربما استلمت طلباً للنجدة من دولة خليجية أخرى. فالكل يعاني من خلل التركيبة السكانية، والكل لديه بطالة أو باحثين عن العمل، ولربما، يستثنى من ذلك البحرين. التي تمكنت من خفض البطالة إلى 5%، وأصبحت التجربة البحرينية مثلاً يحتذى بحسب تصريحات مسؤولين ونقابيين خليجيين وعرب. وليس هذا المكان بالمناسب للتعمق في التجربة والتحقق من نجاحاتها.
ولا يعرف المرء أيضاً حتى الآن تداخلات السياسة والاقتصاد. فلقد شهد العقد الماضي جدلاً واسعاً حول أمور عدة بينها التخوف من تأثيرات سلبية للازدهار الاقتصادي على الهوية السكانية الخليجية. وجرت اتهامات واتهامات متبادلة وبالذات في البحرين بين الحكومة وبعض المعارضة. فاتِباع سياسة اقتصادية معينة يزيد من الطلب على الأيدي العاملة، ويشتبك في ذلك مع نوايا حكومية تود رؤية تركيبة سكانية مختلفة. ولم تكن البحرين الوحيدة في هذا الاتجاه، بل امتدت الشكوى إلى برامج حكومات خليجية متعددة اتخذت من تنشيط مشاريع عقارية سياسة استثمارية لها، وقد اشتملت بعض تلك السياسات على إعطاء تأشيرات للإقامة الدائمة لمن يقتني عقاراً في منطقة ما. واعتبر ذلك الأمر بمثابة سياسة للتغيير الديموغرافي.
يلفت الانتباه وجود ظواهر عدة في مسألة سوق العمل الخليجي وتبرز في أسواق دول منفردة. أولها: إن زيادة الطلب على العمالة الأجنبية لا تقل بوجود عمالة عاطلة عن العمل محلية. فالأمرين، يزيدان أو ينقصان ويكادان أن يكونا متوازيين. فبحسب دراسة للباحث الكويتي ماجد الديحاني عن الشركات الصغيرة والمتوسطة ودورها في حل مشكلة الباحثين عن عمل أو الداخلين الجدد للسوق يصف أن إحصائيات 5-2006 تشير أن قوة العمل الكويتية العاملة قد ارتفعت من 317,443 ألف مشتغل عام 2005 إلى 366,934 ألف مشتغل لـ 2006 بنسبة ارتفاع بلغت 15,6%. وتوازى ذلك مع ارتفاع حجم العاطلين عن العمل من 35,114 ألف متعطل عام 2005 إلى 42,338 عاطل لـ 2006، بمعدل ارتفاع بلغ 13,7%.
ثانياً: سبق لمؤسسات بحث أوروبية أن درست دور الصغيرة والمتوسطة في الخليج لاستيعاب البطالة لتصل لاستنتاج مثير وهو أن كل وظيفة تُخلق لمواطن خليجي تولد طلباً لخلق 4 إلى 12 وظيفة للأجانب، بحسب عدد المواطنين الأصليين بكل بلد. وهذا واقع باتت مخاطبته والتفكر في كيفية حله ضرورة.
فلو حصل مواطن خليجي، مثلاً على سجل تجاري يفسح له المجال للعمل المنفرد فسيجد نفسه مضطراً لتوظيف أجانب: حداً من كلفة إنتاجه، ولأن المواطنين بالكاد يقبَلون العمل لحساب الغير في شركات صغيرة أو متوسطة، وليس لديهم التدريب الكافي ليلبوا احتياجاتها. وحتى القانون المتبع في التوظيف في بعض دول الخليج يتطلب نسبة توظيف للمحليين قليلة ولكنها واقعية.
ويورد الديحاني في بحث كرسه للبطالة الخليجية أن هذه ليست المرة الأولى التي تطفو فيها سياسات لتقليل الاعتماد على العمالة الأجنبية. ففي منتصف ثمانينيات القرن الماضي تناقص استقدام العمالة الوافدة لدول مجلس التعاون لتراجُع الأوضاع الاقتصادية أدى لضغط النفقات العامة. فانخفاض العائدات النفطية دفع أعضاء المجلس لاتخاذ خطوات تخفيض لنسبة العمالة الوافدة خاصة غير الماهرة. فخفضت السعودية الأعداد بما يربو عن 600 ألف عامل. وأدت ظروف مشابهة بقطر عام 1984 للطلب من أفراد عمالة وافدة تزيد أعمار أفرادها عن خمسين عاماً للتخلي عن أعمالهم. واضطرت الكويت في خطة خمسية أن تخفض عمالتها الوافدة من 544 ألف عام 1985 إلـى 507 ألف عام 1990 أي ما عدده 37 ألف عامل. وفي تعداد الكويت لعام 1985 شكلت العمالة الوافدة 60% تقريباً.
وهذه محاولات تختلف أرضيتها عن تلك التي تطرحها الوزيرة الرشيدي الآن وبحسب المتوفر من المعلومات. فإن صح الفهم، يستقيم سبب أساس خلف المحاولة الكويتية وهو محاولة تصحيح ما بات متداولاً على أنه خطأ في التركيبة السكانية. وهذه مهمة تفتش عن من يتنكب لتنفيذها وتحقيق نجاحاً بها. ولربما تشكل بداية: وتقصر البداية دوماً عن الكمال، ولكنها تستحث خطىً لآخرين. وهذا بافتراض ألا تخلط بجدل قائم حالياً في بعض مناطق الخليج حول مسألة التجنيس، وهو ما يسم بشكل خاص البحرين والصراع القائم بين فرقاء اللعبة السياسية بها.
والكل بانتظار النجاح.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق