يقال إنه في بلد خليجي تضاءلت الزراعة قبل أربعة عقود حتى اقتصرت على قطع أرضية صغيرة، وسط صحراء تشكو من قلة مياه وفقر تربة وشح سماد عضوي. وفي مرة من المرات أقدم مزارع على تخصيب قطعته بفضلات بشرية لخبرة استقاها لعمله سابقاً بإحدى البلديات. وما أن علم السكان بذلك حتى قاطعوا المزرعة، وكرهوا منتجاتها، أو تغذية حيواناتهم من برسيمها. وإزاء ذلك التصرف هجر الرجل الفكرة، وانتظر مرور ثلاث سنوات استخدم سماداً حيوانياً بدل السماد البشري. واقتنع السكان بأن الفترة كان كافية لتخلص المزرعة من بقايا سماد مكروه، فعاودوا استهلاك منتجاتها.
وبعد مرور عقود على الحادثة تعود التجربة في بلدان الخليج كلها، ولا أعتقد أنه سيشار لاستخدامات مبكرة، وتجارب محددة فشلت بسبب قلة الوعي الشعبي إزاء إعادة تدوير المياه المستخدمة بما فيها من فضلات. أصبح أهل الخليج الآن من التقدم والوعي بحيث يطالبون باستعادة كل المياه المستخدمة وبما تحويه من فضلات بشرية لاستخدامات متعددة بينها استعادته للشرب، كما حال المياه في بريطانيا.
ومن بين التجارب المستمرة من سنين خبرة بحرينية لاستخدام المياه المعالجة وسط تدافعات آراء ورؤى، وقلق من مدى مناسبة تلك المياه لحاجات وعادات السكان. وقد دورت الحكومة المياه حتى وصلت لمناسبتها لسقي الأشجار والمساحات الخضراء بالشوارع. وبات ممكنا استهلاك منتجات المزارع بعد تقسيمها إلى نوعين: مزروعات تسقى بماء معالج دون أن يمس ذلك الماء في جريانه الثمار كحال النخيل وتصلح للاستهلاك. أما الخضروات الورقية مثل الخس والفجل فيكره استخدامها لأن الماء يلامس بكثير أو قليل أوراقها والتي سيستهلكها البشر لاحقاً. وكانت الوزارة المعنية بالتدوير على وشك أن تصل إلى مستوى تكرير رفيع يتجاوز هذا المستوى. وأخبرني وزير بلديات بحريني سابق في لقاء معه حينما كان في الوزارة بأن مستوى تنقية الماء المعالج بالبحرين على وشك أن يصل إلى جودة المعالجة البريطانية حيث تصفى المياه وتعقم لتصبح صالحة للشرب. وأن المسألة مسألة وقت. وأشار وزير الأشغال السابق فهمي الجودر في حديث سابق لي معه إلى وجود ناحية دينية في المسألة وتتمثل في أن يستجيب الماء لشروط استخدامه للوضوء والطهارة. ويتحرج مسلمون كثر من استخدام مياه معالجة لذلك الغرض. وألزمت الدولة مستخدمي المياه المعالجة في المزارع أو لري مساحات خضراء في الشوارع وضع إعلان واضح بأن المنطقة المزروعة تُسقى بمياه معالجة. وتركت حق الاختيار للمستهلك.
وقبل سنوات صرح رئيس قسم محطة معالجة مياه الصرف الصحي بإدارة الصرف الصحي والري في بلدية دبي محمد العوضي لجريدة البيان الإماراتية أن إعادة التصريف تستهدف معالجة ما يقارب 65 ألف متر مكعب يوميا تمر بمعالجة ميكانيكية ومرحلة ترسيب أولي ومعالجة بيولوجية ومرحلة ترسيب نهائي وتصفية رملية وتعقيم بالكلور.
وأوردت نادية إبراهيم في جريدة البيان الإماراتية قول العوضي أن هدف إقامة المحطة لا يقتصر على استفادة من المياه المعالجة والأسمدة الصالحة للزراعة، بل يشمل حماية البيئة تفاديا لتلوث يهدد بإحداث خلل بتوازن الطبيعة. إلا أن التطور العمراني والطفرة السكانية زادا من حجم تدفق مياه الصرف الصحي بمعدل يتجاوز المعدل المصمم في الأصل.
وذكر العوضي أن تجربة بلدية دبي في معالجة مياه الصرف الصحي تعتبر من التجارب الناجحة على مستوى العالم.
وأوضحت رئيس شعبة التشغيل في محطة معالجة مياه الصرف الصحي بدبي عائشة العبدولي للبيان أن الدور الرئيس للمحطة يتمثل في معالجة مياه الصرف الصحي بدبي وتحويلها لتصبح صالحة للري، ولإنتاج أسمدة بجودة عالية وغاز حيوي لتوليد الطاقة الكهربائية في المحطة كوحدة التجفيف الحراري، وللري وليوفر على الإمارة كلف عالية لو استخدمت مياه الشرب للري بنسبة كبيرة.
وعادت تجربة دبي للواجهة مرة أخرى حين نشرت البي بي سي مؤخراً تقريراً عن تجربة البلدية لتدوير كميات هائلة من مياه تضخها مجارير وتنقلها حافلات مخصصة من مناطق سكنية لإمارة تتوسع باستمرار وبما يتجاوز قدرات محطات التدوير الاستيعابية والمصممة مسبقا.
وكتب مراسل البي بي سي للأعمال بدبي جوناثان فروين كيف أصبحت الفضلات البشرية المتراكمة من سكان يتزايدون باستمرار إلى مصدر أرباح باستخدام تقنيات جديدة تمكن من إعادة تدويرها وتحويلها لسلع تحتاجها المدينة. وبينما يصل ثلاثة أرباع الماء من شبكة مجارير دبي نفسها فإن الربع الباقي ينقل في صهاريج عملاقة برتقالية اللون تشكل حين تفريغها طابوراً طويلا.
وباستخدام تقنيات متطورة تتحول المياه إلى مياه صالحة للزراعة والتشجير.
وبدون تلك العملية يصعب تحمل تكاليف مساحات خضراء في المدينة. فالمياه المحلاة تكلف دولارين للمتر المكعب مقارنة بنصف دولار إن أعيد استخدام ماء مدور. وتبدأ تلك العملية بالتخلص من العناصر الصلبة كالبلاستيك والأخشاب. وكشيء «فوق البيعة»، يتخلص الماء أيضاً من النتانة.
وأوجدت شركة كنكورد كوروديكس العاملة بدبي نظاماً يستفيد من إبداع علمي محض، فيستخرج غاز الميثان من الفضلات الصلبة ويعيد استخدامه كوقود لتجفيف بقايا صلبة وخبزها في الفرن لتصبح حبيبات تُعلب بأكياس بزنة 25 كيلو وتباع بسعر زهيد للغاية يبلغ 2.5 دولار للكيس.
هذه قصص لبعض النجاحات في مجالات عدة ترتبط بإعادة تدوير المواد وبناء الاقتصاد على نحو مستدام ضمن وعي للعوامل الثقافية المحلية. وكلها ترى في التحديات فرصا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق