يلحظ وزير خارجية البحرين الشيخ خالد بن أحمد آلخليفة حين خاطب الدورة 23 للمجلس الوزاري المشترك لدول مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي والمنعقد بالمنامة الأسبوع المنصرم أن المجموعتين تشكلان التكتلين الأكبر في العالم الحر. ودعا دول المجموعتين لتجديد آفاق علاقاتهما التاريخية بتقويتها وتوسيع العلاقات الاقتصادية والتجارية.
وأكد الشيخ خالد، مخاطباً أحد أفضل الدورات الوزارية الخليجية الأوروبية توقيتاً وتنظيماً ونجاحاً في مساعيها، أن اتفاقية تجارة حرة بين دول مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي اكتملت بنسبة 99%. وأضاف أن مجلس التعاون مستعد لتوقيع الاتفاقية فوراً ولكن رسوم صادرات تؤجل التوقيع. وتتعلق الرسوم بمصالح وحقوق «يجب حلها بدون عجالة فتؤثر سلباً على الاتفاقية مستقبلاً مما قد يستدعي مراجعتها أحياناً» خاصة وأن الطرفين يريدان اتفاقية قوية وثابتة. ويطمحان لتنسيق أكبر تجاه القضايا الدولية والإقليمية.
ويلفت تأخر التوقيع النظر لوجود عوامل اتفاق كثيرة تدفع بالكتلتين لتقيما علاقات أكثر تقدما مما تحقق حتى الآن. فحينما تأسس مجلس التعاون، وضع قبالته السوق الأوروبية كمثال يقتفيه. وهو في ذلك كان يحاول تفادي تجارب عربية فاشلة: بدأت بالسياسة وأهملت الاقتصاد فما تحققت وحدة سياسية ولا اقتصاد. ومع مرور السنين جرت موازاة خطط الخليجيين وخطواتهم مع مثيلتها الأوروبية حتى وإن لم تتطابقا كما جرى، مثلاً، مع مقارنة مشروع الوحدة النقدية الخليجية بالأوروبية، وبينهما من الفوارق كثير. وبسبب التاريخ الاستعماري لبريطانيا فقد احتفظت لندن لنفسها بدور صلة وصل بين المجموعتين، وإن كانت بريطانيا ليست هي الأفضل أوروبياً لتقديم الكتلتين لبعضهما البعض. وفي الحقيقة ربما فضلت المملكة المتحدة أن تحتفظ بعلاقات مميزة ومديدة تاريخياً بينها وبين دول مجلس التعاون دون المرور بالعاصمة الأوروبية بروكسيل.
درست وضعية جمود العلاقات هذه الباحثتان سيلفيا كولومبو (زميلة بحث في معهد الشؤون الدولية بروما) وكاميلا كوميتري (باحثة لنيل درجة الماجستير بكلية لندن للعلوم السياسية). وأشارتا للحاجة لإعادة النظر في العلاقات الاستراتيجية بين المجموعتين الخليجية الأوروبية.
وأشارتا إلى ضرورة استعادة زخم القوة الدافعة لتلك العلاقات وتأسيسها مجدداً على قواعد راسخة. وقد بدأت العلاقة بينهما منذ بواكير تأسيس مجلس التعاون عام 1981 حيث بدأت اتصالات بينهما منذ عام 1983. وتوصلتا سريعاً لإطار عام ينظم العلاقة بينهما. ودخل الاتفاق حيز التنفيذ عام 1989، مركزاً على العلاقات الاقتصادية وتحديداً في مجالات تقليدية تهم الطرفين: كالطاقة والصناعة والتجارة والاستثمار والزراعة والعلوم والتقنية والبيئة. ودعا الاتفاق لخطوات عملية كتعظيم التجارة وتبادل الاستثمار صعودا لتحقيق اتفاق سياسي عام حول شؤون منطقة الخليج الحساسة.
ولكن ذلك لم يحدث. واستمرت مفاوضات الطرفين متمحورة حول الوصول لاتفاقية تجارة حرة.
لم يستشعر الأوروبيين بضرورة الإسراع للتوصل لتلك الاتفاقية لعديد من الأسباب. أولها: أن العلاقات بين المجموعتين قديمة وقوية ومزدهرة، خاصة على مستوى العلاقات الثنائية بين دول المجموعتين. فهي تحتاج لتنظيم وتأطير ولكن ليس لتأسيس. فلدول الخليج علاقات متجذرة ومنتظمة ومديدة وتعود أصولها للفترة الاستعمارية ولأيام الحرب الباردة حيث كان الحضور الأوروبي طاغياً في الخليج. وهكذا بدل أن تبث مباحثات التجارة الحرة الروح والحيوية في العلاقات أصبح التفاوض حولها عاملاً مُحبطاً ومسمِّما لمسيرة المفاوضات، إلى حد أن الدول الخليجية لم تجد بداً من تجميد المفاوضات عام 2008. شعر الخليجيون حينها أنهم قدموا تنازلات كثيرة للوصول لاتفاق دون جدوى.
الأمر الثاني: أن رغبة أوروبا في الحصول على مصدر منتظم للطاقة لا يأتيه شك من خلفه ولا من أمام، ورغم وجود نفط في بعض دول أوروبا إلا أن الحاجة المتعاظمة للطاقة ومحدودية الإنتاج من النفط الخام، جعل من النفط مادة مطلوبة. وليس الأمر ذاته مع منتجات البترول المكررة. حينها تتنافس المنتجات الخليجية مع صناعات أوروبية. وظلت أوروبا تضغط على الدول الخليجية لإدخال شروط وتحديدات مما كان له أثراً سلبياً على الدول الخليجية فأبقت على اتصالات رسمية. والأمر ينطبق أيضاً على مواد منتجة مشابهة كالألمونيوم مثلاً. وأوقفت الدول الخليجية مباحثات استمرت لثمانية عشر سنة، لم تصل إلى نتيجة.
وبالمقارنة كانت أميركا فاوضت بعض دول خليجية على اتفاقيات تجارة حرة ووقعتها في شهور. وكان ذلك أكثر من كاف، للدول الخليجية فرادى، بأنه ليس من الضروري التوصل لاتفاق جماعي خليجي - أوروبي.
لم يكن الاتحاد الأوروبي يتوقع أن تنتج دول الخليج مواداً مصنعة تنطلق من البحث العلمي وتعتمد عليه وأن يكون ذا تنافسية في أسواقه الداخلية، وكانت السعودية بحجم صناعتها البتروكيماويات تتضرر كثيراً بشروط عديدة وضعتها أوروبا على تلك المنتجات.
وازداد الغرور الأوروبي فأقحم شروطاً سياسية تتعلق بالحريات واشتراط التزام منطقة الخليج بمجموعة قوانين واتفاقيات لحقوق الإنسان. وإزاء كل موافقة خليجية على أمر يضيف الأوروبيون شروطاً جديدة. واختارت لوبيات ضغط أوروبية تلك الحجج لتخفي معاداتها لدخول منتجات خليجية، أو تأخيرها ما أمكن.
ولكن برز أمران غيرا نظرة أوروبا لمجلس التعاون. أولهما: تعاظم الحاجة لدول الخليج بعد الأزمة العالمية عام 2008. باتت أوروبا بحاجة لاجتذاب الاستثمارات الخليجية. وترافق ذلك مع استكمال الوحدة الجمركية الخليجية. والثاني: تفجر الربيع العربي وبروز دور غير مسبوق للدول الخليجية، وغير متوقع. وتفاعلت تلك الدوافع معاً، ثم مع بصيرة بحرينية انتهت بعقد الدورة الثالثة والعشرين بالمنامة ونجاحها الفائق. فلنتفاءل!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق