بضع نقاط تستوجب التأمل في تقرير لمجلس التنمية الاقتصادية لفترة 2000-2011. أولها: الإشارة إلى أن محركات للنمو في قطاعات السياحة والخدمات والاتصالات أسهمت كثيراً بالناتج الإجمالي المحلي. وبالمقابل كان إسهام العقار والتجارة، باقتراب العقد المعني من نهايته، أقل. والقطاعات التي نمت هي من صنع الإنسان وليست الطبيعة. ولتنمو سيتوجب أن يكون مُنتجِها عالماً بالخدمات التي يقدمها، وسيعتمد نجاحه بشكل أساس على تملكه لمهارات في مجاله، وأن يعرض خدماته بتنافسية دولية.
ويرتدي التقدم في خدمات الاتصالات أهمية خاصة، لتطلبها الشديد لاجتماع تلك العناصر معاً. وتقديمها بتنافسية يستوجب أن يحافظ قسم البحث والتطوير في الشركات الممارسة ملماً بالتقدم العلمي العالمي المحقق بالمجال ولربما الإسهام به. وباختصار فإنها أنشطة تختلف كثيراً عن محركات تعتمد على مجال استخراج النفط وتسويقه بصورته الخام، مثلاً.
وفي البحرين تقدمت تلك النشاطات وسط تراجع مساهمة التجارة والعقار. وبهذا فاتحة خير ومؤشر صحة اقتصادية.
وكان النشاط غير المسبوق في العقار قد دفع مسؤولين عدة في مواقع اتخاذ القرار لتشجيع المصارف، والإسلامية منها بنوع خاص، أن تفكر بجديد، وألا تعيد تجربة دبي، جزئياً على الأقل. على أن النشاط العقاري لم يصل إلى قمته بعد، ويمتد أمام البحرين طريق طويل في مجال العقار. وليس انكفاء النشاط العقاري بالضرورة دليل صحة بالمطلق. وهذه خصوصية بحرينية ترتبط جزئياً بتعثر خطط الحكومة في إيلاء الإسكان الشعبي أولوية مطلوبة وتدبير موارد لازمة له. ولحل هذا المعضل ينبغي التوصل لتوازن محبَّذ بين إسكان فخم تقبل عليه شركات العقار والقطاع الخاص، وإسكان لذوي الدخل المحدود ينتظر أولوية حكومية، وتدبير أموال.
بقت مسألة أوردها التقرير وهي الأزمة العالمية لعام 2008 وكيف أدت بدايتها في الغرب إلى سلسلة إجراءات اتخذتها الحكومة طوَّقت بها احتمالات تسرب مظاهر أزمة. ووسط هلع أصاب القطاع الخاص، كانت الحكومة حسب التقرير سباقة بالحلول. والحقيقة أنه وبمقدار ما تبعدنا السنوات عن تلك الأزمة بمقدار ما يتوجب تحليلها وتحديد أسبابها وأعراضها، وكيف يمكن تفادي مثلها مستقبلاً. وأول ما يجب تأكيده هو أن الأزمة بأصولها واتساعها وعمقها لم تمر بدول الخليج. وما حدث هو أن قلقاً مفرطاً من قدومها بث الرعب في قلوب كثيرين وبينهم أفراد القطاع الخاص. وحينما كانت إدارات المؤسسات الخاصة تحدّ من الإنفاق، وتتشدد المصارف في توفير التمويل، كان هاجسها الأساس يتمثل في استشعار حالات محتملة قد تعرض أصحاب المؤسسة للمخاطرة.
سيطر خوف آسر على نفوس الإدارات التنفيذية لئلا تتعرض أموال المساهمين لمخاطر تفوق التفويض المعطى للإدارات. على أنه وإن كانت المخاطر الخارجة عن المعقول والمحسوب والمُدقَّق غير مرغوب بها، فكذلك الحال مع قبض اليد دون أساس، وانتشار قلق مكبِّل للإرادة، ورعب غير مبرر. فهذه حالات بوجهيها تؤثر على الاقتصاد، وتحد من تناميه.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق