الثلاثاء، 2 يوليو 2013

صناعة الغذاء الخليجية .. الاعتراض على الطبيعة

أشارت العضو المنتدب في مصرف ألبن كابيتال سمينا أحمد لنموٍ صحيٍ موات لصناعة الغذاء الخليجية لعوامل أبرزها ارتفاع الدخل وتزايد السكان وانتشار تجارة التجزئة. وغذّت تلك العوامل طلباً على المنتجات الغذائية في المنطقة. ويستفيد هذا القطاع من دعم حكومي واستثمارات أجنبية ومشاركة القطاع الخاص. ويشكل الاعتماد الكبير لدول المجلس على استيراد غذائها تحدياً كبيراً للاقتصاد ويخلق فرصاً للقطاع الخاص مستفيداً من زيادة الطلب.

جاء ذلك في تقرير لمصرف ألبن كابيتال حول صناعة الغذاء في دول مجلس التعاون الخليجي نشر قبل ثلاثة أسابيع.

من جانبه اعتبر العضو المنتدب في المصرف ذاته محبوب مرشد أن نظرة المستثمرين الإيجابية لهذا القطاع ترتكز على عوامل ديموغرافية مواتية وموازنات عمومية قوية ومقترحات استثمارية جاذبة توفرها شركات أغذية بدول المجلس على المدى الطويل. وتستهدف أنشطة استحواذ واندماج تشهدها دول الخليج إرضاء لشهية مستثمرين محليين ومن الخارج يتحفزون لاغتنام الفرص المتاحة.

وبالطبع هذا مثال آخر على كيفية تحول مشكلة ما أو تحد معين لفرصة يمكن للقطاع الحكومي أو الخاص أن يغتنمها.

وتشكل شحة الموارد المائية معلماً تاريخياً وثقافياً طبع حياة جزيرة العرب وسكانها منذ بواكير الاستقرار البشري بها. وبعد إيجاد حل لتحلية مياه الشرب حديثاً، انزاح هم أساس حدّ من الاستقرار البشري في دول أعضاء بالمجلس عانت جميعها من وقوع غالبية أرضها في نطاق صحراوي.

وبعد حل هذه المشكلة، وتزايد سكان دول مجلس التعاون، برزت مشكلة توفير الغذاء لهم، بشكل منتظم وبأسعار متاحة. ولم تكن تلك البلدان بصحاريها  الشاسعة بقادرة على توفير ذلك. واتجهت الدول لتستفيد من محصولها التاريخي وهو التمر فبدأت بتحديث إنتاجها منه باستخدام وسائل حديثة للتعبئة وتسويقه عالمياً بمقاييس جودة دولية. وباتت السعودية والإمارات بنحو خاص تتقدمان جهود دول المجلس لنقل زراعة التمور إلى أرض جديدة وبآفاق جديدة تُسوّق بتنافسية محلياً ودولياً. وبرزت أيضا، وحتى قبل إنشاء مجلس التعاون نفسه شركة المراعي عام 1976 مركزة على صناعة الألبان بدءاً، ولكي تفتح المجال أمام سياسة اندماج واستحواذ جريئة. وأصبحت المراعي إحدى أول الشركات العربية التي تحصل على مقياس آيزو 9002.

وفي محاضرة للعالم المصري الأميركي فاروق الباز أشار لأمرين يتعلقان بالمياه. الأولى إن وجود الصحاري برمالها الممتدة يدل على توفر المياه وليس انعدامها. وأنه بالانطلاق من ذلك يمكن تحري وجود الماء وبما يفوق أحياناً استكشاف البترول والعثور عليه.

وكان إيجاد مياه باطنية وفيرة عاملاً أساساً أدى لتجارب زراعة القمح في صحاري السعودية. ورغم نجاح الزراعة إلا أن أمرين حدا من استمرار زراعة القمح: الأول ارتفاع كلفة إنتاجه مما عولج في البداية بدعم الدولة له. والثاني رغبة الدول في الحفاظ على خزاناتها من المياه الجوفية كمدخرات استراتيجية. وتم ذلك رغم أن زراعة القمح كانت بمثابة انعطاف تاريخي في مسيرة جزيرة العرب، حيث ظل سكانها معرضين لقسوة الطبيعة بشح أمطارها وتوالي سنين الجدب عليها. وكان تواتر دورات الجفاف يتم بمعدل منتظم مؤدياً لحروب داخلية وهجرات لسواحل الجوار ومناطقه.

واسترجع فاروق الباز من مذكراته في زيارة لعمان، أنه اكتشف أن ظاهرة الينابيع البحرية موجودة ببحر عمان، وإن كان على أبعاد أعمق من تلك القائمة في البحرين. ولفت النظر بذلك إلى مياه حلوة تتسرب طبيعياً إلى عرض البحر لتُحسب كمياه ضائعة. وبمزيد من البحث والاستكشاف يمكن العثور على حالات مشابهة بدول أخرى. ويجعل ذلك من الحصول على أي كميات منها، فعلاً عقلانياً وتجارياً يستفيد من الطبيعة والسوق. ويفيد العثور على تلك الينابيع الطبيعية الحلوة فرصة مغرية لصناعة تعبئة المياه. وكانت بعض تلك الينابيع قد انتهت في البحرين لعوامل طبيعة وأخرى من صنع الإنسان. وأخبرني بعض غواصي اللؤلو، أن ذلك التغير نتج أساساً في ستينيات القرن الماضي وحين أقيمت أساسات بَحْرية لإنشاء ميناء سلمان. ولربما أدى الاستهلاك المتزايد حينها نتيجة تزايد السكان.

والمهم في جانب من الأمر أن سلطات أكثر من دولة قد تنبهت لوجود تلك العيون، مُحاولة التفريق بين كونها خزانات استراتيجية ينبغى المحافظة عليها، وكونها مورداً طبيعياً متجددا يمكن الاستفادة منها تجارياً.

ولكن الدول الخليجية أعلنت مراراً بأنها ستبحث عن دول بها أراض خصبة، ومياهاً وافرة ولكنها تفتقر لبنية تحتية ثرية. وبدخول بعض دول خليجية وغير خليجية من ذلك العرض وستستفيد الأطراف المرتبطة بتلك الخطوات. وخلف ذلك التطور تقع رغبة خليجية تريد أن ترى ثباتاً وانتظاماً في توفر الغذاء ليس لتلبية حاجة بيوت السكان لتموين مستمر، وإنما لكي يمكن للصناعات المختلفة والمتزايدة أن تنشط وتقيم صناعة غذائية تحويلية.

ودعا وزير الزراعة السعودي فهد بالغنيم القطاع الخاص لمزيد من الاستثمار في الزراعة. كما دعا وزير الزراعة الأرجنتيني نوربيرتو يوهار السفير السعودي في بوينس آيرس تركي الماضي لدراسة عروض أرجنيتينة تخصص مساحات كبيرة للزراعة وتتوفر على الماء ومعروضة للاستثمار الزراعي.

وتسعى مثل تلك الجهود لضمان توفير قدر أدنى من سلع زراعية تحتاجها أية مصانع أغذية. وتعمل الأخيرة بدورها لتلبي طلباً محلياً ذا قدرات مالية متعاظمة لاستهلاك سكان متزايدين. بل إن بعضها قد استهدف منذ البدء أن تعبر منتجاته الحدود وتقنع مستهلكين جدد للشراء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق