حاولت جهدي أن أتتبع تفاصيل مشروع «تأهيل 10 آلاف مخترع خليجي» بالاتصال بمصدر الخبر وهو اتحاد غرف دول مجلس التعاون التجارية والصناعية، أو بزيارة مواقع على الشبكة العالمية للمتابعة. ولقد اكتشفت بذلك معلومات ومواقع مفيدة يمكن لمن يستشعر من الخليجيين في نفسه موهبة، أو في غيره، أن يزور تلك المواقع للاستفادة من خبرات محترفة أو للحصول على دعم مالي. ويستهدف المشروع أساساً خلق بيئة للابداع في دول الخليج. وتمتلك بعض جهات مالاً وأخرى سياسات وتدابير للاعتناء بالمواهب وصقلها. ومن بينها موقعي اسطرلاب وموهبة.
وبداية القصة هو ما أعلن في بحر الأسبوع المنصرم عن تدشين حملة خليجية أولى لـ «صناعة» روّاد اختراع ينظمها اتحاد الغرف بمدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية بالرياض، بحضور مسؤولين خليجيين ودوليين في الاقتصاد والمعرفة.
ودعا الأمين العام للاتحاد عبدالرحيم نقي لدعم مخترعين وروّاد أعمال من شباب وشابات الخليج ودعم نتائج إبداعاتهم ومشاريع سينجزونها لربما عادت بنجاح تجاري سيصب في أسواق خليجية تصنع اقتصاد الخليج وموارده.
كما أكد نقي على أهمية دعوة الحكومات والقطاع الخاص بالخليجية لإيلاء منظومة المعلومات والاقتصاد المعرفي الاهتمام الأول بتخصيص نسبة من الناتج المحلي لتطوير منظومة الاقتصاد المعرفي ومراكز البحث العلمي. وتحدثت مع نقي هاتفياً فأكد أن هناك نية جادة وراء المشروع يدعمها استعانة الاتحاد بهيئات دولية لتدخل فيه وتدعمه مثل منظمة الاختراع الدولية كضامنة لجديته وجودته. وهناك مشاركة من منظمة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا، الإسكوا. وستحضر المبادرة الخليجية آلية للعمل.
وسيهتم اتحاد الغرف الخليجية بنحو خاص بالمسؤولية الاجتماعية لذلك الجهد. وستدخل المشروع جهات يرتدي تفاعلها بعداً اجتماعياً مثل جمعيات سيدات الأعمال. وباختصار، والحديث لنقي، فالمشروع يشكل دوراً ريادياً خليجياً يضاف لإنجازات مشابهة سابقة.
ولمقاربة الموضوع ولمعرفة بيئة حالية قائمة بدول مجلس التعاون يفيد الاطلاع على مقياس متجرد. ومن ذلك الاستفادة من المؤشر الدولي للابداع والصادر عن المعهد الأوروبي لإدارة الأعمال (ENSEAD) والمنظمة الدولية للملكية الفكرية (WIPO). ويتضمن ذلك المقياس مؤشرين يقيس أحدهما مدخلات الإبداع والثاني مخرجاته. ويأخذ الأول في الاعتبار خمسة عناصر للاقتصاد الوطني تؤهل للابداع في بلد ما: المؤسسات، والرأسمال البشري والأبحاث، والبنية التحتية، ومدى حذق الأسواق، وأخيراً تطور الأعمال. وهكذا يقيس مؤشر الإبداع الأدنى المعدل البسيط لتفاعل العناصر الخمسة السابقة وتبلور بيئة مؤاتية للخلق والابتكار. وبالمقابل يُستخرج معدل إبداع أدنى من مخرجات إبداع أدنى من تفاعل أنشطة في الاقتصاد. وهناك عنصران أساس: مخرجات المعرفة والتقنية، والمخرجات الإبداعية. ورغم أن مؤشر المخرجات الأدنى يتضمن عنصرين فقط، فإن له نفس الوزن في حساب مؤشر الإبداع الدولي. وهكذا فإن إجمالي حساب المؤشر الدولي للابداع هو ببساطة معدل المؤشرين الأدنى للمدخلات والمخرجات.
ويقيس مؤشر كفاءة الإبداع نسبة المؤشر الأدنى للمخرجات مقسوماً على المؤشر الأدنى للمدخلات. وهو بذلك يبين كم تحقق البلد من إبداع نتيجة مدخلاتها، فيعطي بذلك حساً ما عن كفاءة النشاط.
وتظهر هذه الحسابات كيف أن دول الخليج تحقق كفاءة إنتاج منخفضة. وهو ما يعنى أنه رغم وجود بنية تحتية للابداع جيدة ومؤاتية نسبياً، فإن المجموعة لا تحصل إلا على قليل من المخرجات الإبداعية. ويتسق ذلك مع التاريخ الخليجي إلى وقتنا الراهن. فالوعي بدور الخلق والإبداع هو أمر جديد على بيئة دول الجزيرة العربية بشكل عام. فهي بيئة أقرب إلى الركون إلى التقليد، ولا تلعب دوائر البحث والتطوير في المؤسسات الاقتصادية دورها في هذا الاتجاه، ونادراً ما تفعّل الشركات مثل تلك الأقسام.
ويتوجب للراغب في معرفة الواقع الإبداعي الخليجي الإطلال على مراتب تحتلها دوله منفردة في المؤشر الدولي والدرجات التي نالتها محسوبة من مائة. جاءت الدول الخليجية في مقدمة الدول العربية فحصلت قطر على 45.5 درجة ومرتبتها 33 دولياً، والإمارات 44.5 والمرتبة 37، والبحرين 41.1 والمرتبة 41، وعمان 39.5 والمرتبة 47، والسعودية 39.3 والمرتبة 48، والكويت 36.2 والمرتبة 55.
وتقع الدول الخليجية الست كلها ضمن فئة الدول الأعلى دخلاً عالمياً. وحين حصر المقياس بتلك الفئة تأتي قطر في المرتبة 31 دوليا، والإمارات بمرتبة 34، والبحرين بمرتبة 36، وعمان بمرتبة 39، والسعودية بمرتبة 40، والكويت بمرتبة 42.
وحين تقارن دول الخليج ضمن مجموعة شمال أفريقيا وغربي آسيا تحتل قطر المرتبة 3، بعد إسرائيل بمرتبة 1 وقبرص بمرتبة 2، والإمارات بمرتبة 4، والبحرين بمرتبة 5، وعمان بمرتبة 6، والسعودية بمرتبة 7، والكويت بمرتبة 8.
وتشير هذه المقارنات إلى موقع متقدم وصلت إليه اقتصادات الخليج عبر دمج مختلف جوانب النشاط الإنتاجي بها. ولا يمكن عزو ذلك إلى اعتمادها على مصدر طبيعي وافر للدخل وخلق بيئة إنتاج ريعية تعتمد على البترول. فهناك دول عربية عدة لديها الدخل نفسه أو تزيد كليبيا والجزائر مثلاً. وإنما تحقق دول الخليج ذلك عبر جماع العوامل المحركة للبلد المعين.
وبكل ذلك خير. ولكنه ليس بكافٍ. فالاقتصاد الحديث قائم على منتجات ابتدعها الإنسان وأضحت سلعاً للاستخدام والتبادل. وعلى سبيل المثال تحتل سلع مثل الحواسيب وبرامجها والهواتف النقالة جزءاً كبيرا من التجارة الدولية. ولم تكن لتشكل بضائع قبل نصف قرن. وقل النصيب النسبي لبضائع تقليدية.