قِيض لليابان أن يكون لها أدوار مختلفة في العلاقة الاقتصادية مع البحرين. فهي المسؤولة الأولى تاريخياً عن انهيار الاقتصاد البحريني في عشرينيات القرن الماضي باختراعها للؤلؤ الصناعي. إذ شكّل هذا الاكتشاف التهديد الأكثر جدية لاقتصاد جزر ارتبط وجودها بصناعة الغوص واللؤلؤ. وتولت الأزمة الاقتصادية الشهيرة عام 1929 إطلاق رصاصة الرحمة على تلك الصناعة، حين امتنعت أسواق أميركا عن شراء اللؤلؤ البحريني.
تلقى آلاف العاملين في تلك الصناعة، الحدثين على أنهما قضاءا وقدراً لا راد له. وتلقوا بنفس الشعور اكتشاف البترول بالبحرين عام 1932. وبعد الاكتشاف بعامين صدرت البحرين أول دفعة من النفط المستخرج إلى اليابان.
واختزلت الذاكرة الشعبية عن اليابان نظرة متدنية ومرتبطة باستزراع اللؤلؤ. فهو مصنّع مقارنة بالطبيعي، وبالتالي فهو تقليد على الأصلي منه، ولكنه كان بالمقابل منافساً خطيراً له. واتبعت البحرين منذ ذلك الحين سياسة منع تداول اللؤلؤ المصنع على أراضيها. وترافقت تلك السياسة مع نظرة ازدراء للمنتجات اليابانية وقبول بجودة الصناعة الغربية وبالتحديد تلك القادمة من أميركا وبريطانيا. وعَضد ذلك تواجد مصنوعات البلدين بقوة بأسواق الخليج، مدعوماً بحضور سياسي وعسكري راسخ ومديد للدولتين في الخليج.
باتت الصناعة اليابانية مرتبطة بالتقليد. وكانت الساعات اليابانية، ومن بينها سايكو على سبيل المثال، ترتبط بمحاكاة الساعات السويسرية. وبات الشيء «الياباني» يرمز إلى تزييف صناعة الآخرين وبيع ناتجها بأسعار أرخص على حساب الجودة. ومن أبرز تلك الأمثلة النظر بتعالٍ للسيارات اليابانية الواصلة إلى البحرين. واستمر مثل هذا التوصيف قائماً إلى خمسينات القرن. لم يطلع البحرينيون على التطور الاقتصادي الباهر الذي كان يحصل في اليابان، ولم تكن البحرين أولاً ولا الخليج ثانياً على رأس سلم أولويات التجارة اليابانية.
ولكن كل ذلك كان من التاريخ. ومع استقلال دول الخليج في سبعينات القرن المنصرم نمت الصناعة اليابانية، وباتت تغزو أسواق الخليج. ولم يكن الحضور الغربي يتعامل معها مثل معاملة ما يرد من دول المعسكر الشيوعي حينذاك، وبالذات من دول امرتبطة بروسيا. وهكذا ازدهرت الصناعة اليابانية وباتت تتضمن مقاييس جودة تتبناها، وتنافسية قوية مع صناعات الغرب.
وشهد العقد الماضي تغيراً في مسار العلاقة تدفعه عوامل عدة. فاليابان التي فرضت عليها هزيمتها في الحرب العالمية الثانية أن تنزوي وتتجه للداخل، باتت بمرور الوقت تأخذ أدواراً خارجية، والشاهد على ذلك أول خروج لها حين دخلت العراق مع حلفائها الدوليين وأرسلت بضعة جنود إلى بغداد في الحرب الأخيرة. ومنذ ذلك الوقت باتت طوكيو تتقدم في إيجاد مسارب لأموالها الطائلة ولحيوية أبنائها. ويتناسب هذا مع احتياجات الخليج بنحو خاص حيث تشهد جنباته احتمالات حرب قادمة. وتبحث بلدانه العربية المهددة عن تحالفات مفيدة، وخيرها هي الصالحة للاستخدام بالسياسة كما الاقتصاد وفي الحرب كما بالسلام. وتنضوي اليابان تحت هذه المقاييس.