الاثنين، 22 أكتوبر 2012

مجلس التعاون .. التصرف المسؤول

خبران نفطيان قدما من الخليج يسهلان إدراك توجهات جديدة لدول الخليج. فمن مسقط نقلت وكالة رويترز عن رئيس مجلس إدارة شركة النفط العمانية ناصر الجشمي القول بأن عمان تدرس بناء منشأة لتخزين مقدار 200 مليون برميل من النفط الخام بأمان خارج مضيق هرمز.

وتتفوق المنشأة المقترحة على أي مستودع آخر بالعالم، بما فيه مخزن كوشينج النفطي الأميركي وسعته 62 مليون برميل.

ويأتي هذا المشروع مع تهديدات سبق لإيران وأدلت بها مرات عن نيتها إغلاق مضيق هرمز كخيار إن فرض عليها حصار، أو طوقتها ضغوطات غربية بسبب برنامجها النووي أو تهددتها حروب.

ويضاف المشروع العماني لمشاريع أخرى أنجزتها دول خليجية لسد باب الذرائع أمام الجارة المسلمة إن سُدت بوجهها طرق أخرى. فتُحمّل الدول الخليجية، وبغير وجه حق، أسباب مواجهة مع الغرب أو مع المجتمع الدولي.

والموقف الخليجي السائد حتى الآن هو أن تتبع دول الخليج في سياستها مع الجمهورية الإيرانية القرارات الدولية. وفيما عدا ذلك ورغم خلافات إقليمية على مسائل أخرى، تتعامل دول المجلس مع الجارة المسلمة على أساس حسن الجوار. وتحافظ الدول العربية الخليجية على حد أدنى من علاقات دبلوماسية واقتصادية ما لم تتعارض مع قرارات أممية.

وتذكر رويترز خطوات مشابهة أقدمت عليها دولة الإمارات بتشغيلها لخط أنابيب من أبوظبي إلى الفجيرة على خليج عمان. وأقدمت السعودية على رفع قدراتها لتصدير النفط من موانئها على البحر لأحمر.

وتدرس الدول الخليجية كلها حلولاً لمصاعب تواجهها إقليمياً مع الطرف المقابل، محاولة قدر الجهد استبدال المواجهات بالتفاوض، والتغلب على أية اختلافات باللجوء إلى حلول عملية، وسلمية بالأساس. وكل ذلك يتم برغبة أن يتقابل مجلس التعاون، والجار الإيراني في منتصف الطريق، على أساس مبادئ تكافؤ، وتعاون وتفويت الفرصة على أي طرف يحاول خلق مواجهة عسكرية.

وإزاء تصاعد الأوضاع في الخليج وتمازج السياسي بالاقتصادي، تقف السعودية في موقع القلق من أن يتصاعد سعر النفط لمستويات قد تؤدي إلى الحد من تعافي الاقتصاد العالمي وتماثله للشفاء. وهذا هو الخبر الثاني.

فقد نقلت صحيفة الإيكونوميست أن أجواء الرياض، وإن رغبت السعودية كمنتجة في سعر عال لبرميل النفط، مع المحافظة على حصتها من النفط المصدّر، ولكنها تود أن يستقر السعر حول 110 دولار. ولقد باعت المملكة نفطاً بما قيمته 311 بليون دولار في العام الماضي، ومنذ ذلك الحين ازداد السعر بضعة دولارات سترفع الإيرادات قليلاً. وترتاح الأوساط السعودية لسعر يقترب من المائة دولار ارتفاعا أو انخفاضاً. لأن التجربة علمتها بأن ذلك السعر يؤدي إلى تنشيط اقتصادات الغرب، دون أن ينال من ميزانيات الدول الخليجية. وبعضها يرسم موازاناته الحكومية حول 80 دولار كما هو الحال في موازنة البحرين 2013-2014، حسبما يقول النائب البحريني عثمان الريس (مقابلة مع الوسط، 24 آب (أغسطس) 2012). ولكن الحكومة ترغب في أن يستقر السعر على معدل 115 – 120 دولار، إن كان لها أن تتفادى عجزاً في الميزانية. وتتكئ البحرين، وهي دولة قليلة الإنتاج من النفط نسبياً، بسبب شحة مصادرها الطبيعية على أمرين: الأول نفط حقل أبوسعفة الذي يشكل جزءاً مهما من مبيعات النفط، والثاني هو المساعدات الخليجية المتوقعة والتي ستأتي منتظمة بمعدل مليار دولار سنوياً ولعشر سنين.

إلا أن المهم هو أن التوجه السعودي عامة يضع منتجين للنفط أمام مسؤولية عالمية. ولطالما ردد السعوديون أن النفط لاينتج لاستهلاك آخر كونه مصدر طاقة، وأن المنتجين لن يمكنهم التصرف في نفطهم بغير بيعه للمستهلكين. ولذلك فهم مهتمون بألا يعلو السعر كثيراً في بلدان مثل الولايات المتحدة إلى مستوى يقلل من طلبها على البترول الخليجي، وليشكل معرقلاً لاتجاه البيت الأبيض في حقن الاقتصاد الأميركي بمنشطات لتحريك عجلة السوق الداخلي وزيادة الاستثمار وخلق الوظائف.

وبكل الأوضاع فالموقفان العماني والسعودي يدخلان ضمن سياسات مسؤولة ينتهجها أعضاء المجلس، ومحاولة بلورة موقف مسؤول للتكتل وسط الأسواق العالمية. ويحاول الوصول بالتوتر إلى منتهيات مهدئة وسلمية قدر الإمكان.

وكانت دول الخليج صريحة مع قوى دولية حليفة في أنها لا ترغب في الوقوع في مواجهة عسكرية جديدة في الخليج تضاف إلى الحروب الخليجية السابقة.

والحال نفسه بالنسبة لأسعار النفط، فرغم مغريات كثيرة يتعرض لها المنتجون، إن قل المعروض أمام الطلب العالمي، وإزاء اضمحلال ما يباع في الأسواق. باختصار فإن دول الخليج أصبحت في وضع مسؤول، يتطلب منها التصرف بنضج في العالم. وألا تستخدم مواردها الطبيعية أو البشرية بشكل  لايتناغم مع مكانة عالمية تتزايد باستمرار. وعلى سبيل المثال تنقل الإيكونومست عن الملك السعودي عبدالله أنه، ومجلس وزرائه، بدأ منذ آذار (مارس) الماضي خطة لتنفيس احتقان كاد أن يمسك بسوق النفط. واتبع هو ووزيره للنفط علي النعيمي سياسة تهدئة مدعومة باستعداد المملكة لتقديم أية كميات مطلوبة في السوق العالمية، لتفادي ارتفاع غير مرغوب به على المدى البعيد ويعاكس في أثره تشارك الدول بالمسؤولية في انتشال العالم من الأزمة المالية الناشبة منذ عام 2008.

وبعد فالتوجهان العماني والسعودي يشيران إلى أدوار قيادية ومسؤولة باتت تتبلور في هذا الجزء من العالم، ضمن محاولة تطوير صورة مقبولة لمجلس التعاون تتفادى صور نمطية سابقة، وتؤسس للمستقبل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق