الثلاثاء، 30 أكتوبر 2012

الهند تبحث عن نفسها

كانت ولاتزال، وقد خصصت التايم الورقية عددها الأخير للتحدث عن محاولة الهنود إعادة اختراع بلدهم، وعمّا إذا كان بمقدور شبه القارة أن تستعيد ألقها وأن تتوافق إنجازات أحد أقدم اقتصادات العالم مع توقعات أبنائها منها. وذكرتني مقالات العدد مع آخر منظر لشريط سينمائي هندي ينتهي بأحد شخصيات الفيلم، تخاطب بطله أن عليه أن ينتظر حتى تصل الأم/الهند لوضعية تتساوى فيها فئاتها وأن ترضى هذه الدولة الموغلة في القدم والحضور الدولي، الاقتصادي قبل السياسي، بحق أبنائها للاستمتاع بإنجازات بلدهم بقدر مشاركتهم بإنتاجها.

والتايم تعيد كتابة روح هذه القصة. حيث يخصص أكاش كابور مقاله في التايم، لمقارنة إنجازات الهند في عقود ثلاثة أخيرة من تطور اقتصادي بتزايد تبنيها، في تسعينيات القرن الماضي، لنظام السوق عبر إصلاحات لتحرير اقتصادها. وفقدت عبر اختياراتها تلك نزوعاً مبكراً لتحقيق عدالة اجتماعية. ويورد كابور مثلاً على تناقض الإنجاز مع النتائج المتوخاة. ففي كل انتخابات يتنافس المرشحون لجذب الصوت الانتخابي بتذكير الناخبين بإنجازات الهند العالمية وقرب احتلالها لمكانة دولية تتناسب وحجمها وإيغالها في التاريخ. ووسط ذلك الجهد الانتخابي يتراجع الحديث عن مشاكل يومية للقارة. ويورد كابور مثلاً تراكم قمامة المدن الهندية باثة روائح تفقأ الأرواح بنتانتها. وتعلو مكبات القمامة أبخرة تزهق الأرواح بنتائج تفاعل مواد متروكة. وبحسب إحصاءات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فإن 40% من قمامة الهند لا يجري جمعها، وتزيد النسبة كثيراً في الأرياف. وبذلك تحول الوضع إلى ما يشبه مكب زبالة هائل يحاصر المناطق السكنية.

وحين نحت الهند نحو اقتصاد السوق والتنمية الرأسمالية وقعت على إيجابيات النظام فنما البلد وازداد استهلاك الفرد وانعكس ذلك الاستهلاك على نفايات يخلفها المستهلك.

وتؤثر أحداث الهند كثيراً على البحرين. وتبلغ الجالية الهندية، وهي أكبر جالية أجنبية ضمن النسيج البحريني، 26% من السكان تقريباً، وهي أيضاً أقدمها حيث إن التواصل الهندي البحريني يمتد لبدء الحضارة، وأول سوق دولية نشأت في التاريخ وتركت آثارها في أقدم مقتنيات متحف البحرين من أختام أو لقىً لأوزان وآنية.

على أن المؤثرات اليومية تتمثل في أن تطورات الهند الاقتصادية باتت تنعكس في عزوف هنود كثيرين عن الهجرة. وما كان مرغوباً فيه للعمالة الهندية من شروط قبل عشرين سنة بات يقع تحت توقعات الفرد في الهند. وبات متوجباً لجذب كفاءات آسيوية رفع المرتبات المقدمة، وتحسين شروط العقود المعروضة لصالح كفاءات مطلوبة.

ولاتزال الهند تبحث عن نفسها، متقلبة المزاج بين اقتصاد موجه وسوق حرة، وتتردد أصداء ذلك البحث في مواقع العمل بالبحرين فتزيد الكلف، وترفع مؤشرات التضخم. وأحياناً يُعزى لنزوع هندي بتحقيق المساواة قدرة على ربط مكونات الهند البشرية معاً. وبات هذا الإغراء خياراً آخر أمام هنود البحرين الحاليين وبمستقبل الأيام، وليقلل من إغراءات السوق المحلية لهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق