الثلاثاء، 6 نوفمبر 2012

الصين وجودة الصناعة

كثير مما تسمعه وتقرأه عن الصين شيء وما تراه شيء آخر. ويتبادل كتاب فيما بينهم نادرة صحفي زار الصين في ستينيات القرن الماضي لدراسة تجربة بكين وبدايات تمايزها عن تجربة دول تبنت الاشتراكية والاقتصاد الموجه.

جلس الصحفي شهراً وعاد الى بلاده وانكب على العمل فخرج بكتاب عن انطباعاته عنقوة متفلتة من قيود الشيوعية التقليدية. وإذ دُهش الصحفي من قدرته الكتابية، عاد الى الصين وأقام سنة اعتبرها كافية لدراسة التجربة. وكان جهده يستجيب حينها لطلب متزايد في الغرب عن آفاق التجربة الصينية وتناقضاتها مع الكتلة السوفيتية وسط حرب باردة متأججة بين الغرب وكتلة الدول الاشتراكية. أقام الرجل سنته ليكتشف تواضع معرفتة عن الصين والصينيين، وصعوبة الكتابة عنها وعنهم.

وهذه إحدى مخاطر الكتابة المبكرة عن ذلك البلد: التعميم المتعجل.

تبهر كالصين مثلاً باهتمامها بالجودة في كثير من الأمور وعلى غير توقع. وتكتظ أسواقها بسلع تستجيب لكل مستويات الإنفاق.

وتتفرد تجربة الصين لكونها نتاج نظام يقوده حزب شيوعي غيّر البلاد بأول أمره حين انتصاره في 1949 من بلد المجاعات، وتخضع أجزاءٌ منه للأجنبي، إلى بلد مستقل اختفت منه المجاعات. حفظ الصينيون ذلك للحزب الحاكم. وأضاف الشيوعيون إلى ذلك تحويل اقتصاد البلد الى مزيج من اقتصاد سوق حر ونظام موجه نقل البلد من حال الى حال. وبخلاف تحقق ذلك الانتقال لخسارة الشيوعيين لمواقعهم بالسلطة في دول أخرى، تبنى الحزب الحاكم في بكين باكراً مهام التغيير وتنكب مهمة تحويل الصين من دولة عادية في العالم الثالث، إلى ورشة العالم الكبرى في الإنتاج والنمو الاقتصادي.

وإن جاز لزيارة الصين لأيام معدودة أن تخوّل الزائر حق ذكر انطباعات متعجلة فإنتاج هذا البلد القارة أبعد ما يقتصر على الصناعات الرخيصة، وتفضيل الكثرة على حساب الجودة. شوارع بكين التي يمر بها سائح الأيام المعدودة نظيفة ومتسعة وتتأهل لكل وسائل التنقل، من الحافلات الحديثة، إلى السيارات الفردية إلى الدراجات: لكل طريقه في الشارع للتنقل بأمان وسرعة. وتدعم نظام المواصلات بنية تحتية جربت إحداها وهي نظام المترو بشنغهاي. وللمقارنة، بينما يأخذك مترو دول أخرى لمتاهة، لإصرار القائمين عليه على استخدام اللغة الوطنية فقط بما فيها إرشادات الخطوط والمحطات، فإن مترو شنغهاي ثنائي اللغة، كتابة وشفاهاً. وتكاد أن تتقن التنقل به منذ الرحلة الأولى. ولأن الاقتصاد الصيني مبني بالكامل على الاستفادة من اليد البشرية المتوافرة، فإن وقعتَ بمشكلة أو شعر رجال الأمن بحاجتك الى المساعدة، يهرعون إليك.

وحكايات الصين كثيرة، ولكن الاعتقاد بأن الصين في الأساس هي بلد المنتجات الرخيصة على حساب الجودة، هو أحد أقرب الصور النمطية إلى الخطأ. وزيارة واحدة إلى مجمع تجاري تكفي لإعادة النظر في التوقعات المسبقة. لا يعني هذا أن من يريد منتجات بأسعار تنافسية لن يجدها بالصين.

وليس من رأى كمن سمع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق