الأحد، 18 نوفمبر 2012

عمان ومجلس التعاون .. تأسيس الحق في الاختلاف

ثلاثون عاماً وتزيد مرت على إقامة مجلس التعاون الخليجي. وأتى قيامه بعد مرور ما ينوف على نصف قرن من تجارب عربية للتوحيد في العصر الحديث. وبرزت كيانات اتحادية وتجارب للتعاون والتنسيق انتهى عديد منها للاختلاف ونشوب صراع أدى لتصدع المنظومة الوحدوية أو انهيار كيان جامع بين دولتين أو أكثر. ومن أبرز الأمثلة تجربة الجامعة العربية (1945) والوحدة بين مصر وسوريا (1958-1961).

رغم صمود الجامعة العربية واستمراريتها حتى الآن إلا أنها تركت في النفس العربية صورة منظمات عاجزة عن الفعل، وأعطت مسيرتها انطباعاً باللاجدوى. وشابت ميكانيكية العمل فيها بيروقراطية وشلل. وعلى شاكلة أخرى انتهت تجربة سوريا ومصر إلى انفصال، بعد أن تلمس السوريون نزوعاً من الطرف الآخر نحو الهيمنة وتحكم أجهزة أمنية في اتخاذ القرار وسط غياب مؤسسات ديمقراطية.

وبالمقابل صمدت تجارب ثلاث: اتحاد الإمارات واليمن ومجلس التعاون بالخليج. وبينما يعتور المثال اليمني الكثير من القلق على استمراره، يبرز المشاركون في اتحاد الإمارات ومجلس التعاون مصممين على السير في التجربة وتقوية اللحمة بينهم.

ولقد استفاد الخليجيون كثيراً مما سبق في الساحة العربية وحاولوا تجاوزه، وبالتعلم مما أفرزته جهود سابقة من سلبيات.

حملت بعض تجارب انعدام المساواة في اتخاذ القرار. وبرز بهذا الاتجاه مخاوف من سيطرة طرف على آخر. وعلى سبيل المثال، كان السوريون هم محركو التوجه الوحدوي مع مصر. وبادروا إليه حين توجسوا من مخاطر داخلية على الكيان السوري فتوجهوا للقاهرة طالبين إنقاذ الموقف بتوحيد البلدين. وهكذا تأسست الجمهورية العربية المتحدة عام 1958. وسرعان ما انبعثت شكاوى دمشقية من ممارسات تسلط وبالذات من أجهزة أمنية، تصاعدت حتى انتهت إلى الإنفصال، واستعادة سوريا لوضعها السابق.

أما التجربة اليمنية فلا نزال نعيش إرهاصاتها، وسط مخاوف الجنوب من هيمنة شمالية. وسرعان ما تبلورت تلك المخاوف إلى انتفاض واسع تحت مظلة مايسمى بالحراك الجنوبي. ولا تزال التجربة حبلى بالأحداث.

وبالاختلاف عن ذلك سارت أمور عديدة بمجلس التعاون.

فوسط اقتناع دول أعضاء بأهمية التكتل وزيادة خطوات التوحيد، سمح الخليجيون لأنفسهم بحق الاختلاف بين بعضهم البعض. ولم يشكل مجلس التعاون بأجهزته المتعددة كابحاً لتنوع الآراء. ويسجل لعمان دورٌ بارزٌ في تأصيل حق الاختلاف في المجلس عبر ممارسة هذا الحق. وبرز ذلك واضحاً في أمرين: الأول الموقف من الوحدة النقدية والثاني مشروع الانتقال بالتعاون بين دول المجلس إلى الاتحاد.

كان الموقف العماني من الوحدة النقدية بسيطاً: لا يزال الوقت مبكراً، وليس هناك ارتياح في الأوساط المسقطية إلى أنها قد استكملت شروط الانضمام،  وأن المشروع يحتاج لمزيد من الدراسة. وحتى تصل الأمور إلى النضج، لم تر السلطنة بأساً من أن تجرب دول أعضاء راغبة في خوض المشروع أولاً.

وحين طرح مشروع الانتقال بالدول الخليجية من التعاون إلى التوحد، أبدت عمان اتجاهاً آخر، أكدت فيه أن كثيراً من الترتيبات المتعلقة بهذا التوجه تحتاج إلى إعداد وبالذات في الجانب الاقتصادي قبل الولوج في خطوات سياسية وحدوية. ومثلما شهدت سنوات سابقة بروز اقتراحات عمانية لم يستجب لها في حينها، وبدت صحتها لاحقاً، رأت عمان في الدعوة للاتحاد اقتراحاً يحق لمن يجد في نفسه استعداداً تبنيه والسير به.

فقد سبق للسلطنة أن قدمت في أوائل التسعينات اقتراحاً بإنشاء جيش خليجي موحد، لم يجد استجابة حينها بينما يتزايد الحديث الآن عن ضرورة ذلك. وكانت عمان والإمارات أول من دشن الانتقال بالبطاقة الشخصية لسنوات عديدة في ظل وجود لجنة مشتركة بين عمان والإمارات. وحين طرح مشروع الانتقال من التعاون إلى الاتحاد اعترضت عمان مبينة أن اختلافها ليس حول المبدأ وإنما حول جهوزية التنفيذ. وأضافت بأن من الأفضل الآن التركيز على الاقتصاد بمجلس التعاون وتعزيز مناحي التعاون به، بدل الدخول في خطوات سياسية.

ومارست عمان في السنوات الماضية سياسة حق الاختلاف والتنويع في الارتباطات بثت اطمئناناً في الأوساط الخليجية. ومن ذلك أنه بينما تركز الدول الأعضاء على ما يربطها معاً كمجموعة فذلك لا يستثني وجود ما يربط عمان والإمارات مثلاً بنحو خاص. ويقف التاريخ والجغرافيا خلف وجود مجلس مشترك عماني إماراتي لبحث قضايا تهم الطرفين، وتطور مناحي التعاون بين البلدين. وهناك علاقات بحرينية كويتية وبحرينية سعودية، كلها تتسع لقليل أو كثير من الاتفاقات الثنائية دون أن  يبدو عليها أنها تتهدد الجسم الأكبر أو المجلس.

ويفيد الحفاظ على حق الاختلاف دوماً على استمرار الوحدة تلقائية ومتينة وقابلة للاستمرار. ولا تزال الوحدات الأكبر في العالم، والديمقراطية منها خصوصاً، تحتفظ بأمثلة شبيهة. فلا تزال تكساس تحتفظ بقضايا اختلاف مع منظومة الولايات المتحدة الأميركية وسط استمرارها كولاية متحدة. أما النرويج فرغم عدم انضمامها للاتحاد الأوروبي إلا أن بينها وبين تلك المنظمة عديد من اتفاقيات ثنائية. ثم هناك الحالة البريطانية ضمن الاتحاد الأوروبي. فرغم إصرار لندن على الحضور كعضوٍ فاعلٍ في السوق إلا أن لها اختلافات كثيرة مع سياساته وخططه.

وبدون وجود أجواءٍ ديمقراطية، وحماية حقيقية لحق الاختلاف، لما استمرت تلك المنظمات الإقليمية، حاملة معها ضمان دوامها. ووجود ذلك الأمر يقوي مجلس التعاون ولا يضعفه، ومن الأفضل الاختلاف تحت مظلة المجلس لا خارجه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق