الاثنين، 26 نوفمبر 2012

اجتماع الفجيرة .. والمواطنة القادمة

باتت حكومات الخليج  مقتنعة بضرورة تحقيق المواطنة الخليجية الكاملة، ولكن التجار لايزالون يرفعون الشكوى تلو الشكوى من بطء إجراءات، وخفوت ترتيبات، وتلكؤ إدارات التنفيذ الحكومية. واجتماع الفجيرة لاتحاد غرف دول المجلس الأسبوع الماضي يعطي مثلاً على ذلك.

يدفع التجار في حماسهم لتحقيق المواطنة الخليجية عوامل ثلاثة على الأقل: إيجاد أرضية تستفيد من حجم السوق المشتركة، وتفادي بيروقراطية عمل تؤدي لخسارة وقت، وزيادة الأرباح بعالم شديد التنافسية. وإن لم تكفِ تلك الدوافع الاقتصادية، جاءت السياسة لتدفع بالتعجيل. وأجواء الخليج ملأى، هذه الأيام، بتهديدات ومخاطر تدفع للبحث عن التنسيق والتعاون بأي مجال أتى. وحين تنفتح الأسواق على بعضها البعض، ويزول الكثير من قلق الدول الست من فقدانها لسيادتها، وتقترب شعوبها من التآلف، ستبدو في الأفق إمكانات تعاون في مجالات أخرى. وإن لم يحصل ذلك في المستقبل المنظور فليس في ذلك مدعاة للقلق. فلا تزال الـولايات المتحدة مكونة من خمسين ولاية بينها كثير من الاختلاف، دون تعريض آلية التوحد بها للمخاطر. ولا يزال اتحاد الإمارات مستمراً بسبعة أعضاء مستقلين وسط مطالبات مواطنيه بمزيد من خطوات التوحيد.

وكانت قيادات تنفيذية لاتحاد غرف دول مجلس التعاون قد اجتمعت، وبحثت تنفيذ قرارات الاجتماع 40 لمجلس اتحاد الغرف والاجتماع 29 للجنة القيادات التنفيذية. والأهم  اطلاع تلك القيادات على تقرير ورشة عمل حول السوق المشتركة انعقدت بالكويت في 12 أيلول (سبتمبر) 2012.

وعرج المجتمعون على سبل تفعيل المواطنة الاقتصادية الخليجية ووسائل دعم القطاع الخاص الخليجي للتنمية الاقتصادية. ويبدو أن حماس الجميع كان شاملاً.

 واستعرضت اللجنة لقاء الأمانة العامة لمجلس التعاون مع غرف الدول في الرياض، يوم 15 سبتمبر 2012 وبحث صعوبات تعتري تطبيق السوق الخليجية المشتركة.

والمهم في الأمر أن الإجراءات الاقتصادية كانت منذ البدء محط اتفاق الجميع، وترافقت والقلق الأمني لتقنع مترددين في القبول بإجراءات توحيدية. وبكل محطة أمنية برزت فيها مخاطر للخليج وأهله، تتصاعد دعوات دول المجلس عالياً لاتخاذ إجراءات توحيد، وتباشر أولاً بالخطوات الاقتصادية. ولربما نشهد ظروفاً مشابهة هذه الأيام.

لم يخل التعاون الاقتصادي من خلافات حقيقية كما حصل في اختيار مقر المصرف المركزي الخليجي، والعملة الموحدة. ولكن آلية المجلس تفتح السبيل للاختلاف، وتعتبره رحمة لا نقمة، وضرورة لا نقيصة. وتسير على هذا الأساس: فلا تضييق على الراغبين في تبني إجراءات توحيدية ما، ولا قسر أو إرغام للمعارضين للدخول في الاتفاق. والزمن كفيل بتبيان الخيار الأصح.

وحين تصدر توصيات قبلها الجميع لينفذها الجميع، تتأخر خطوات التنفيذ وسط انشغالات العمل اليومي للدول الأعضاء. ولربما كان من العملية أن يخرج كل وفد من أي اجتماع بقائمة خطوات يتابع فيها مسؤولي بلده للقيام بها. وبدل أن تأتي الوفود كل عام لمناقشة قوائم عامة فيها يطالب الجميعُ الجميعَ بتنفيذها، يأتي كل وفد بجردة أعمال تمكّن من إنجازها في بلده وعبر مؤسساتها التشريعية والتنفيذية، وما هو باقٍ حتى الآن ينتظر التنفيذ.

ويحكى عن أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أنه حين تسنم رئاسة المجلس عام 2008 كان حريصاً على أن يحقق إنجازاً كبيراً لرجال الأعمال في الخليج، وكانت هذه مناسبة فذة للقطاع الخاص ليستفيد من تلك الرغبة الأميرية للتقدم بمطالب التوحيد دفعة للأمام. وقد تحققت فعلياً بعض خطوات. والمهم أن ينبري وفد كل دولة ليقدم خطوات مطلوبة إلى مسؤولي بلده ويطالب في الوقت نفسه الآخرين بالتنفيذ.

وباختصار فالمرجو من ممثلي كل دولة إيجاد خارطة طريق اقتصادية محددة الملامح، ومرتبطة بمحطات جلية، ويتحمل كل وفد متابعة جهات بلده لتنفيذ ما تكفل بإنجازه أمام بقية الوفود. وحين تقصّر الظروف، يستفاد من أية لقاءات ممكنة.
 
وتتزايد الضغوطات على مجلس التعاون من كل جانب في هذه الأيام المضطربة، فالمجلس يشكل أول محاولة عربية حقيقية لتشكيل كتلة اقتصادية ناجحة ومتينة وذات قدرة تنافسية في العالم. وشكّل هذا التجمع علامة فارقة إزاء أزمة 2008 المالية. فبينما تركت تلك الأزمة المهولة آثارها سلباً على أكبر الاقتصادات في العالم استمر اقتصاد الخليج عاملاً وفاعلاً. بل وشكل متجه زيارات لعديد من قادة ومسؤولي الملفات المالية في عواصم الغرب، قدموا لمحاولة العثور على حلول ودعم متنوع لاستعادة نشاط الحركة الاقتصادية في بلادهم. وظهرت الكتلة الخليجية كأحد أهم الأطراف التي تسعى جادة للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الدولي ولإنقاذ دول أخرى من التهاوي في بحار أزمة ناشبة.

ويبقى أن تنفيذ القرارات هو المدخل لتحقيق الأهداف. وفي الدعوة للتنفيذ يتساوى الجميع في العمل لإقناع الجهات المعنية بالتنفيذ.

ويتبقى جزء من تنفيذ المهام على الحكومات المعنية. فالاستماع إلى مطالب القطاعات المختلفة وإشراكها في اتخاذ القرارات المتعلقة بنشاطها هو جزء من الحوكمة الرشيدة. وتجاوزت دول الخليج استنكار الإصلاح السياسي، وربما كان الخلاف أكثر على التوقيت والمدد أكثر منه على المبادئ والصيغ الجامعة العامة.

وإذا كانت القيادات السياسية على اطلاع أكبر وأشمل بالاختيارات، فإن القطاع المعني يعرف تفاصيل متطلبات نشاطه أكثر ويمكنه أن يطالب بمطالب تحقق احتياجاته بنحو أفضل. واليوم حين ترتفع المطالبة بالمواطنة الاقتصادية الموحدة من الجميع، فهذا انعكاس لنضج المجتمع من ناحية وبشير بزوغ مرحلة جديدة لدول المجلس.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق