كتب عبدالرزاق الفارس كبير الاقتصاديين، والمدير التنفيذي لوحدة السياسات والشؤون الاقتصادية في مجلس دبي الاقتصادي قبل سنتين مبيناً المتشابه والمختلف بين مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي. قال إنه من منظور عالمي، لاتظهر دول الخليج ميزات فائقة في نقاط عدة: فمساحتها الجغرافية متحدة تقارب مساحة الاتحاد الأوروبي، ولكن إن قورن ناتجها الإجمالي المحلي مجتمعة فإنه يوازي ناتج دولة أوروبية متوسطة كهولندا. ويوازي سكان دول المجلس معاً ما يساوي 0.6 من إجمالي سكان الكون، ولا يتعدى حجم صادرات دوله 1.5 من الصادرات العالمية.
ولكن إن أخذت عوامل أخرى تختفي تحت السطح تظهر مجموعة المجلس أهمية في نقاطٍ أخرى. فدول المجلس تسيطر على 40% من احتياطي العالم المكتشف من النفط، وحوالي 23% من الاحتياطي الثابت للغاز، و38% من الاحتياطي المالي الرسمي العالمي. ويضاف إلى ذلك التطور الفائق الذي حققته دول المجلس في مجال البنية التحتية، والخدمات المالية والاتصال مما مكنها من الاستفادة من نظام العولمة، وجعلها تتموضع في الأسواق العالمية وأن تأخذ دوراً قائداً في مجالات تنمية متنوعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وتحتل الدول الخليجية، بسبب استثمارات هائلة نفذتها في التعليم والصحة والإسكان وخدمات اجتماعية أخرى، مواقع عالية على مؤشرات دولية عدة مثل مؤشر التنمية الإنسانية (HDI)، ومؤشرات التنافسية والحريات الاقتصادية والشفافية. وبالنظر إلى كل ذلك، وإن تحققت وحدة دول الخليج النقدية ستكون أكبر وحدة نقدية بعد اليورو، وسيضحي منظِم إصدار النقد، الاتحاد النقدي الخليجي، ثاني أهم اتحاد نقدي عابر لحدود الدول فيما يخص الناتج الإجمال المحلي بعد منطقة اليورو.
ومن محاسن الصدف أن يورد الفارس مثل هذه الأرقام وهو ينتمي وظيفياً لدولة معارضة للوحدة النقدية، وإن كانت لأسباب مختلفة تماماً عما يورده هذا المحلل الاقتصادي من عوامل سبقت الإشارة إليها. ولربما شكلت ميكانيكية الموافقة والمعارضة إحدى أهم إنجازات مجلس التعاون الخليجي، وتشكل ربما أحد أهم عوامل نجاحه وصمام أمان لضمان تقدم مسيرته المستقبلية أو فشلها.
هناك روايات عدة عن أسباب نشوء مجلس التعاون، وكيفية تطوره. يتبنى كثير من المحللين نظرية أن يكون الغرب وراء نشوئه، إذ رأت دول غربية مثل الولايات المتحدة أو بريطانيا اقتراب نيران الحرب الباردة واللافحة في آن، من الخليج. كان ذلك في منعطف السبعينات والثمانينات من القرن المنصرم، وإذ تهددت مصالح الغرب، وبالذات البترولية منها، سارعت دول غربية لدعوة الخليجيين لتشكيل تحالف اقتصادي يرتكز على منظومة أمنية متينة، لإدارة منطقتهم ولضمان استمرار شريان النفط نافذاً، حتى وإن فقدت شركات بترولية كبرى، والتي عرفت بالأخوات السبع، السيطرة على الأسعار. كان المطلوب ضمان وصول النفط حتى وإن كان بأسعار عالية. وشكل ذلك عاملاً، من بين أسباب أخرى، وراء النصيحة الغربية للخليجيين بالاتحاد. وسمعت في أثناء تجوالي في دولة خليجية أن اليابانيين أوعزوا أحياناً للخليجيين أن من الأسهل لليابان أن تتعامل مع جسم واحد بدل ست دول. وهكذا توافق الخليجيون على مجلس تعاون اقتصادي، يحفظ سيادة كل دولة على حدة.
ولكن ما حدث لاحقاً كان بعيداً عن توقعات قائمين على التجربة. ففي وسط منطقة مرت بتجارب عديدة فاشلة في خلق كيانات توحيد وتشكيل كتل كان، أفق قيام المجلس محدوداً ومحفوفاً باحتمالات كثيرة للوقوع في الخيبة. ومع ذلك ولد مجلس التعاون وترعرع بمرور السنين. وتفادياً لأحلام مستحيلة، اتفق الأعضاء على التنسيق الاقتصادي وتركوا الأبواب مفتوحة على كثير من الاحتمالات.
وكان تواضع المطالب والطموحات مفتاح نجاح باهر. ثم خلقت ميكانية لا تتطلب التوافق الكامل على الخطوات التوحيدية: ضمان حق التفرد، والقبول بتقدم من يود في طرق مستقبلية.
وكان أحد أبرز الأمثلة الوحدة النقدية: حيث اتفقت أربع دول على المضي قدماً، مع التأكيد على حق الأعضاء في الاختلاف دون غضاضة في النفس، ودون استثارة أزمات تعرقل الاتفاق على مسائل أخرى. وشكّل هذا المبدأ أحد عناصر نجاح مجلس التعاون على مدى العقود الثلاثة الماضية.
وأصبح المجلس يشكل كتلة اقتصادية، لها وزنها وسط الأسواق الدولية والمنظمات الأممية المتسمة بهذا الاهتمام: كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ونما حجم الكتلة وأثرها ليمتد على مساحة سياسية. ووسط عقود ثلاثة شهد الخليج فيها أزمات مالية وحروباً تبلور موقف بارز لدول المجلس. ورغم ذلك بقي المكون الاقتصادي هو الجامع بين دوله الست، بل وبات المضي أكثر في هذا الشأن سبباً أساس لتردد البعض في تبني خطوات تتجاوز هذا المكون.
وعودة على بدء، فمن المهم حين عقد المقارنات بين مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي، عدم سحب تلك المقارنة لأبعد من حدودها. فهناك الجغرافيا والتاريخ المختلفين. وعلى سبيل المثال، فما أن تطرح مسألة الوحدة النقدية بين بلدان الخليج حتى يبدأ التلويح بمصاعب واجهها الكيان الأوروبي ولا يزال، وعلى رأسها المثل اليوناني الغاطس حتى الآن في مأزق يصعب التكهن بانتهائه.
وحين يبحث المرء بغرض أخذ العبر ينبغي معرفة أوجه التشابه والاختلاف. ومن ذلك انعكاس أزمة 2008 المالية على دول المجلس. فلقد مرت تلك الدول بالأزمة وتعاملت معها بشكل مختلف بحيث حملت السنوات الأربع الماضية تجاوباً ناجحا وتفادياً جلياً لجوانبها السلبية. ولم تكن تلك حال أسواق عالمية أخرى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق