يهتم مركز الدراسات الإقليمية والدولية بجامعة جورجتاون بسبر موضوع غياب ثقافة الإبداع عن المجتمعات الإسلامية ومحاولة اكتشاف إن كانت هناك عوامل عضوية في بنية تلك المجتمعات تتناقض مع الإبداع والاستكشاف والاختراع. وقد عقد المركز عام 2008 مؤتمراً لبحث الموضوع، ونشر أبحاثه مؤخراً. ثم عاد المركز ليعلن عن مِنحٍ مالية لتغطية أية دراسات تبحث، إن وجدت كوابح، من الدولة أو من الثقافة السائدة، للتجديد والاختراع. وعسى أن تمتد عدوى تمويل مثل هكذا أبحاث لمؤسسات خليجية لا يزال يقتصر عديد منها على التعليم وتنأى بنفسها عن الدراسة والتجريب واكتشاف المجهول. وتفضل شراء منتجات البحث بدل القيام به.
وليست المعاني العربية لمفهوم الاختراع مشجعة كثيراً، ولها ظلال سلبية. ويورد القاموس الأشهر «لسان العرب» لابن منظور (1223-1311): اخْترعَ الشيء: ارْتَجَلَه، وقيل: اخْترعه اشتقَّه، ويقال: أَنشأَه وابْتَدَعه. وإن وسّعنا البحث ليشمل كلمة ابتدع واستحدث فلربما كانت الطامة أكبر.
وأحياناً يشار لأسباب غائرة في الثقافة العربية تحد الخلق والإبداع. وإذا ما استكنه المرء واقع الإبداع الحالي وارتباطه برغبة البحرين ودول خليجية للانتقال إلى اقتصاد يقوم على المعرفة ومنتجاتها، فلن يتأتى ذلك بمواصلة سلوك طَبَع مجتمعات إسلامية حتى وقت قريب.
ويُروى عن تجار ساعات أوروبيين في القرن التاسع عشر أنهم لاحظوا أن الأتراك العثمانيين فضلوا دوما اقتناء آخر الأدوات الحديثة جاهزة بدل تصنيعها. كانوا يودون الحصول على منتجات البحث العلمي للاستهلاك وتفادي طريق الإبتكار أو الاستثمار به.
وربما ورثت دول عربية هذا التقليد العثماني.
وقديماً كان المخترع العربي يكرس جهوده الإبداعية لتنتهي عند الجهة الخطأ: الحاكم. ويكافئ الحاكم صاحب الاختراع مالياً أو معنوياً. وينتهي الجهد عند ذاك الحد.
وقلما ذهب مخترعون عرب للتجّار، ولم يقصد التجار بدورهم مفكرين طالبين المساعدة في خفض تكاليف أو زيادة أرباح أو تقليل مشاق. واستمر باب الود مسدوداً بين الطرفين. ولا يبدو أن العصر الحديث شهد تغييراً كبيراً: فلا الشركات الحكومية منها أو الخاصة اهتمت بالبحث المحلي جدياً. ولا يعرف عن نشاط فردي أو مؤسساتي ساعد العملية الانتاجية المحلية، أو حتى العالمية عبر اختراقات علمية.
وفي مرة من المرات أشار السفير الهندي السابق في البحرين كيف أن البحرينيين لم يستفيدوا كامل الاستفادة من فرع معهد بيرلا في المملكة. قال لي السفير حينها إن هذا المعهد يقف خلف عديد من الإنجازات الهندية الحديثة وفي مقدمتها القمر الصناعي ودخول بلده عصر الفضاء.
وباختصار فالمطلوب من الشركات البحرينية أن تبدأ مسيرة البحث العلمي عبر إيجاد دوائر وتخصيص موازنات للبحث العلمي. وبالمقابل سيتوجب على العاملين بهذا الجهد أن يربطوا أنشطتهم وحاجات المجتمع العملية وبمقدمتها حاجات السوق ورغبة القطاع الخاص الدائمة في تقليل التكاليف وزيادة الأرباح. ويدخل في السياق تحديد أية منتجات صناعية محلية تبحث عن حلول.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق