الاثنين، 14 يناير 2013

الخليج وأفريقيا .. والأسواق الصاعدة

في رسم بياني لافت للانتباه يستحضر رئيس مركز الخليج للأبحاث عبدالعزيز بن صقر في مؤتمر للتعاون الخليجي الأفريقي وعقد بالرياض عام 2010 كيف أن مقارنة ثلاثة مستويات للنمو الحقيقي للناتج الداخلي الإجمالي بدول مجلس التعاون الخليجي، وأفريقيا، والعالم، يظهر ارتفاع الخط البياني لدول المجلس وأفريقيا بينما يهوي الخط العالمي لعام 2009 منحدراً لما تحت الصفر. وتظهر مقارنة مؤشرات عمل المناطق الثلاث أنه خلال الفترة بين 2000-2010  أصابت الأزمة العالمية بخناق الاقتصاد العالمي لينكمش حجمه الفعلي، وتحافظ المنطقتان على توسع حقيقي وإن كان صغيراً. ثم يعاود سوقي الخليج وأفريقيا صعودهما بنسب تتجاوز المعدل العالمي.

ولا يقتصر الاهتمام بأفريقيا على مجلس التعاون، وإنما هو عامل مشترك لدى جهات عدة بعضها طارئ على المشهد الأفريقي وبعضها يرتبط بالتاريخ الاستعماري القريب وبعضها يضرب في التاريخ. وينتمي الاهتمام الخليجي إلى بدء التبادل التجاري العالمي، حيث احتفظ عرب جنوب الجزيرة في اليمن عمان المعاصرتين،  بعلاقات مع دول شرق أفريقيا منذ زمن قديم. وحين قدم البرتغاليون كأول المستكشفين العالميين لشرق أفريقيا، تحدثت مصادرهم عن وجود مدن مزدهرة عربية وإسلامية الحضارة وتدعمها شبكة علاقات متنوعة واسعة بين الشواطئ العربية والأفريقية.

ورغم وجود إمكانيات واسعة لإقامة مشاريع مشتركة، إلا أن الفارق كبير بين وجود الإمكانيات وبدءالاستثمارات. ومثل كل شيء لا يكفي وجود الأفكار الجاذبة لوحدها لتحقيق لقاء بين الاستثمارات المحتملة، والفرص المتوافرة. بل يتطلب جهود غرف تجارية، ومصارف ومؤتمرات اقتصادية لتحقيقه.

ولحظت ميرنا سليمان بتعليق نشرته رويترز أن عرب الخليج ينظرون إلى الاستثمار في أفريقيا كخيار مغر ويختلف عن استثمارات سابقة درجوا عليها بالتوجه نحو الغرب والشمال.

وسبق لشركة إنفستكورب الاستثمارية أن لحظت أن الاستثمار في الخليج بات مجزياً بما يعادل، وأحياناً يتجاوز مردودات استثمارات الاقتصادات المتطورة في أوروبا وأميركا. وسبق لمراقبين اقتصاديين أن أشاروا لأن من مميزات الاستثمارات الجديدة أنها تنبعث من مصادر في جنوب العالم لتلبي فرصاً جاذبة بالجنوب أيضاً. ويختلف ذلك عن اتجاهات استثمارات سابقة، من الشمال للجنوب، ومن دول مستعمِرة إلى بقاع مستعمَرة سابقا. وكان الطريق الأخير يمر عبر تركة استعمارية، وشركات ومصارف تعمل بالاتفاق مع حكوماتها.

وتحدد ميرنا مجالين يشكلان عاملي لقاء بين دول الخليج وأفريقيا. الأول وهو امتلاك القارة السوداء لأراض شاسعة ترويها أمطار أو أنهار أو كليهما ويمكنها إنتاج محاصيل تستجيب لاحتياجات غذائية متزايدة لدول مجلس التعاون، ولنزوعها لتحقيق أمنها الغذائي. وبالمقابل تقدم دول الخليج خبرة راكمتها في العقد الماضي في بناء شبكة بنية تحتية بسرعة غير مسبوقة، أهلتها لتكون إحدى مناطق النمو العالمية. ويذكر بهذا الصدد خبرة دبي في بناء وإدارة الموانئ كمثال.

وتشكل منطقة شرق وجنوب أفريقيا أسواق واعدة لاستهلاك منتجات صناعية بدول الخليج. وتنخرط تلك المنطقة الأفريقية في بناء منظمات مثل منظمة شرق أفريقيا (EAC) والسوق المشتركة لدول شرق وجنوب أفريقيا (COMESA) ومنظمة تطوير جنوب أفريقيا (SADC). وتحظى تلك الأسواق بدعم منظمات دولية مثل مركز التجارة الدولية، وأحياناً من منظمات مدنية أوروبية تستهدف تطوير الدخول لفئات اجتماعية أقل دخلاً مثل النساء أو سكان مدن العشوائيات. ويتم ذلك عبر إنشاء صناعات تستخدم خامات محلية بمواصفات عالمية قابلة للتصدير لأوروبا على سبيل المثال، وتسترشد بمفهوم التجارة الأخلاقية كطريق لتفادي تجارة يشوبها استغلال قرون ماضية. ومن ذلك تشجيعها على تطوير صناعة الجلود.

ويمكن لدول الخليج أن تجد في ذلك فرصاً استثمارية ووسائل لزيادة التجارة على أسس مساواة ومبادئ أخلاقية. ومن أبرز مواقع الاهتمام الخليجي بهذا الجانب هو تجارة الاتصالات والتي برعت بها دول الخليج. ولا تزال تجربة شركة زين للاتصالات ماثلة للأذهان. أولها حين تمكنت من مد شبكة استخدامها لثلاثة وعشرين بلداً في الشرق الأوسط وأفريقيا. ورغم ازدهار الشبكة، إلا أن مجلس إدارة زين وافق بالإجماع على بيع شركة زين بأفريقيا لشركة هندية، باستثناء فرعي المغرب والسودان. وقد قدمت شركة بهارتي إيرتل عرضاً للاستحواذ على الشركة بما يقرب من 10.7 مليار دولار، وقبله مجلس الإدارة على أسس تجارية بحتة، ولهامش الربح الجاذب.

ويصف بن صقر في حديثه أمام مؤتمر للاستثمار الخليجي الأفريقي السابق كيف أن نمو الأسواق الآسيوية أدى بها لأن تصبح محركات نمو عالمية. وأن دول الخليج باتت تشكل قوة اقتصادية تكمل وبنحو متسارع النمو العالمي. وتبدأ أفريقيا مسيرة مشابهة. ولذلك فيمكن لانغماس سوقي الخليج وأفريقيا في جهد مشترك أن يجمعا مصادر مشتركة لا يمكن تجاهلها على المسرح الدولي. وتنشغل أفريقيا والخليج في نهوض اقتصادي نشط، يستفيد من إيجابيات بنيوية محلية وتنافسية دولية. وحين تتناغم وتتعاون عناصر السوقين معاً ستشكلا معا محركاً عالمياً للنمو يصعب تجاهله.

وحين يأتي مجلس التعاون للاستثمار بأفريقيا، لن يجدها خالية من المنافسين. فإضافة إلى حضور غربي يستند إلى علاقة استعمارية، سيتنافس الخليجيون مع هنود وصينيين يبدون اهتماماً متزايداً في الاستثمار بأفريقيا، وبدعم جهود إقامة بنى تحتية بينية. وكما تفعل الاقتصادات المتقدمة فبداية يتوجب تشجيع البحث الأكاديمي ليمهد الطريق للتجار والشركات ولأصحاب الأعمال. ولذلك فالكرة ستقع في مرمى مؤسسات الأبحاث ومراكز التميز العلمي بالجامعات ومراكز دراسات ومعاهد لغة، وأن تدعمهم الدولة ورجال الأعمال.
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق