... والكابتشينو معروفة، أما الـ «كَمِل تشينو» فهي قهوة بحليب النياق ويقدمها مقهى كافيه-2-غو في دبي لجاسم البستكي، لشهور مضت. وبذلك أنقذنا من اكتئاب تسببه شحة الجهد العلمي والتجاري الخليجي إزاء الجَمل: رفيق العربي في تاريخه والجغرافيا. وحين استزدت معلومات وجدت أن جهد صاحب المشروع يستهدف حفظ التراث وأحيائه. ولكن تربية الجمال تحتاج لدوافع وجدوى اقتصادية معاصرة، بعد تلاشي مكانة الجمل الأساس: كوسيلة نقل في الصحراء.
واستمعت، قبل أيام، لتقرير صادر عن البي بي سي عن جهد أسترالي للسيطرة على جِمال استجلبتها استراليا في 1840 للمساعدة في اجتياز قفار الجزيرة -القارة، قبل حلول عهد السيارات والقطارات والحافلات والطائرات. وباختراع تلك الوسائل استغنت أستراليا عن جمالها فأطلقتها في صحاريها، فتحولت إلى قطعان برية.
ويقال كثير عن مميزات صحية لحليب النياق. فمكوناته تحتوي على دسم يقل كثيراً عن حليب حيوانات لبونة أخرى. ويؤكد البستكي لرويترز في أيلول (سبتمبر) الماضي تشابه خصائص حليب النياق مع الحليب البشري. ويضيف حديداً على حليب البقر 10 مرات و3 أضعاف فيتامين سي.
وسمعت في غابر الأيام، أبان كان حليب النوق مكونا أساساً من الغذاء اليومي في ظفار، أن من يشربه غذاءاً يومياً له، يفقد القدرة على الاستجابة لمخدرات طبية يحتاجها الإنسان أثناء العمليات الجراحية. ولم أحصل على دليل علمي على ذلك.
ويصر الدكتور الهولندي مارسيل سميتس على التحليلات المخبرية، وهو والد فرنك سميتس. والأخير صاحب أول مزرعة ألبان لحليب النياق في أوروبا لتسويقه كمنتوج ألبان صحي، كما أوردت مقابلة للبي بي سي معه قبل ثلاثة أعوام. وترد بها إشارات لاستخدامات شعوب مختلفة لذلك اللبن كمشروب طبي أثناء النقاهة في بعض أجزاء روسيا وكازخستان. ويستخدم كدواء للتعافي من الحمى الصفراء والسل والربو وفقر الدم والبواسير.
تمكن مارسيل سميتس من الحصول على منحة أوروبية لدعم أبحاثه الطبية على منتجات الإبل. ويستمر الإبن في تسويق منتجات مزرعته التي بدأها ببضعة أفراد وكبرت حتى باتت تضم 40 حيوانا. وتمكن من إقناع ما يقرب من 50 مقهىً هولندياً لاستخدام الحليب، ولديه طموحات كبيرة. على أن الأهم هو أن فرانك وبعد تجارب عديدة لاستخدام أداة حلب الأبقار اقتنع بعدم صلاحية الأداة لضرع الناقة، فقام بتعديلات عديدة لتتناسب الأداة واختلاف شكل الضرع وحجمه ونبضات الأداة.
وشاهدت شريطاً وثائقياً، بثته على الأرجح ناشنال جيوغرافيك المعربة، عن جهد سويسري بتمويل قطري لاختراع رجل آلي يمتطي هجن السباق. وجاء ذلك بعد انتقاد جمعيات حقوق الإنسان لمتسابقي الهجن السريعة الخليجيين ومالكيها لإصرارهم على أن يمتطي إبلهم حين السباق أولاد خفيفو الوزن وفي مقتبل عمر المراهقة. واكتفى الممولون الخليجيون بدفع نفقات التجريب وشراء المنتج النهائي، بدل تحمل مصاعب ربط الفكرة بجهة بحثية عربية وتمويل دخولها في ممارسة عملية وإبداعية لتطوير أدوات يحتاجها السوق. ولربما لا يوجد مركز علمي وتجريبي بنفس المستويات المطلوبة، ولكن يمكن أن يجري المركز الأجنبي البحث والتجريب والتطوير مشاركة على الأقل للتعلم والاستفادة. ، ولا يبدو أن شيئاً من هذا قد تم. فشكل الرجل الآلي اختراعاً ثانياً يسجل لأوروبيين إضافة لما أنجزه مارك سميتس. وكان يمكن لحاجة سباقات الهجن أن تشكل حافزاً لاختراع متطلبات حيوان ارتبط بتاريخ العرب، ولكن وإن أحسن اكتشاف جدواه التجارية وتسويقها، فسيمكن استغلاله وجعله يرتبط بالحاضر والمستقبل.
ولكن الحديث عن الجمال والاتجار بها لا يكتمل قبل التطرق للتجربة الأسترالية. فقد استجلبت أستراليا أرانب تكاثرت حتى ضاقت بها الأرض بما رحبت. وأحضرت الحكومة ضفادع سامة لتحارب حشرات ضارة تنتشر بحقولها، فتزايدت الضفادع وباتت تتهدد بيئة أستراليا الطبيعية. وأتت ثالث حروبها ضد الجمال السائبة. فقد تجاوز تهديد قطعان الإبل الغطاء الأخضر الشحيح في أستراليا، لتتنافس والبشر على موارد الماء. وحين يتفشى الجفاف تبدأ الجمال في تجاوز حدود رسمها الإنسان لإبعاد تلك الحيوانات عن مستقراته. فبدأت حرب الإبادة ولاتزال مستمرة.
على أن قصص أستراليا عن استجلاب حيوانات ثم الضيق بها، تضم قصصاً معاصرة للاستفادة من تحديات وتحويلها لفرص. فقبل سنتين نشرت رويترز قصة مشروع رجل أعمال مصري هو مجدي الأشرم لافتتاح مجزر ومصنع للحوم الإبل في استراليا.
وامتدت طموحات الرجل. لتقديم لحم الجمال كبديل على موائد طعام العالم كونه: «أفيد صحياً. وأقل دهناً من أي لحم آخر بقراً كان أو ضأناً، وحتى الكنغر أو النعام.» وتوقع لمشروعه أن يوفر 300 وظيفة في أستراليا. وحيث أن تناول هذا اللحم قديم وشائع ومحبب في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فيمكن إضافته إلى صادرات أستراليا من اللحوم. وتوقعت الوول ستريت جورنال العربية أن تتحول حرب تلك القارة ضد جمالها البرية إلى فرصة. وتحقق في الوقت ذاته بعض أمن غذائي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وباختصار فهذه كلها روايات عن الجمال. ودول الخليج لاتزال بعيدة عن أن تأخذ الأمر بمحمل الجد، كما الحال بإنتاج التمور. فقد تضاعف إنتاج دول مجلس التعاون مجتمعة لتتحول لأكبر منتج للتمور بالعالم. وليس هناك ما يمنع البحث في تربية الجمال وتقديمها تجارياً على نحو مشابه. وهناك تجارب محلية ناجحة في الأبحاث والتطوير وفي مجال تربية الإبل يمكن البناء عليها وتطويرها. ويبقى القرار والمال.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق