بدأت ملامح الدعم الخليجي المالي لعمان والبحرين بعشرة مليارات دولارات لكل منهما ولعشر سنوات، تتضح دفعاً وتنفيذا. خصصت السعودية للبحرين 5.2 مليار دولار منها 448 مليون دولار للسنة الأولى. ووصلت 250 مليون دولار من الجانب الكويتي للبحرين ولنفس الفترة وهي جزء من 2.5 مليارين ونصف دولار إجمالي المساهمة الكويتية للبحرين. ولربما كانت المبالغ نفسها مقرة لعمان وبنفس النسب. وبالمقابل كشفت البحرين عن قائمة بمشاريع تريد أن تنفذها للاستفادة من القسط الأول المتأتي من الدولتين.
وبنظرة سريعة يتبين أن قائمة البحرين المقدمة لإنفاق المنحة السعودية ضمّت مشاريع بنية تحتية للكهرباء والطرق والإسكان. وكذلك الأوجه المتعلقة بالتعليم، فقد تركزت على خطط إنشاء 6 مدارس مجهزة بمرافق لازمة كمعدات تعليمية متقدمة ومختبرات علمية ومعامل وصالات وملاعب رياضية بقيمة إجمالية تبلغ 85 مليون دولار. أي أن الاستثمار لن يتوجه لموضوع التعليم، وإنما في الأبنية والمعدات. وقدمت المنامة جردة بمشاريع مشابهة لإنفاق الدعم الكويتي.
ولربما سارت الأمور على نفس الشاكلة في مسقط.
ولكن، وإن سمحت عمان والبحرين، لكاتب العمود أن يقترح وجه إنفاق ربما استجاب لمشروعين يحتاج لهما مجلس التعاون بإلحاح: تأسيس معهدين يدرسان اللغات في عمان والبحرين.
يختص الأول بتدريس اللغات العربية القديمة والتي ترد تحت مسميات مختلفة مثل اللهجات الحميرية أو الشحرية أو المهرية. فقد أنعم الله على عمان بأن تقع بعض أجزاء منها في وسط منطقة تضم أكبر تجمع سكاني يتحدث بتلك اللغات ووصلت إلينا من تاريخ يضرب في القدم. وبقدر ما يشكل ذلك كنزاً وهبة حضارية لا تقدر بثمن إلا أنها تتهددها المخاطر من كل جانب. فوسط تسارع التحديث، وإلحاح التمازج السكاني وانفتاح المنطقة على العالم بأسره، تتسرب تلك اللهجات من بين الأيدي قليلاً قليلاً. لقد ظلت تلك البقعة ولقرون عديدة بمنأىً عن الاختلاط بجماعات سكانية أخرى وحافظت على عزلة داخلية أبقت على استمرار اللغة وتداولها بين ناطقين بها. وبمرور الوقت يتخطف الأجل كبار السن من الذين ولدوا وعاشوا واستخدموا تلك اللغات دون سواها. ويشبه فقدان أي واحد منهم فقدان مصدراً أو، كتاباً أو أكثر، لا بديل عنه. ولا يقتصر الامتداد اللغوي على جنوب الجزيرة العربية وإنما يمتد ليتصل بجزيرة سوقطرى والقرن الأفريقي وإثيوبيا.
وعديد من تلك اللغات ما عاد يستخدمها إلا قليل من السكان، ولكنها تركة ثمينة للغاية تفتح الأبواب على احتمالات استكشاف التاريخ والدراسات اللغوية والحضارية.
وسبق للغرب على مدى القرون الخمسة الماضية أن أسس مراكز عدة مرتبطة بجامعات عريقة لخدمة العلم والفهم، ولكن ترتبط أيضاً بسياسات كولونيالية. ولا تزال بعض تلك الجامعات تحتفظ بكراسي لتعليم تلك اللغات، ولكنها تأثرت بتراجع الغرب الاستعماري فتقلصت وشحت الأموال التي ترصد لدعمها.
ويعنى المركز الثاني بتعليم لغات حديثة ويستخدمها عشرات الألوف وأحيانا ملايين من الوافدين على منطقة الخليج لأسباب اقتصادية. ويمكن للبحرين أن تستضيف هذا المركز. وبسبب وقوع البحرين على الطرق التجارية منذ بواكير الزمن فقد اضطرتهم الظروف إلى تعلم لغات كالفارسية والهندية لتسهيل تجارتهم وتيسير تعاملهم مع الأجانب.
وتأتي في مقدمة اللغات الأجنبية المعاصرة الصينية واللهجات أو اللغات الأوسع انتشاراً في القارة الهندية. فلذلك أهمية اقتصادية للتحدث والتعامل مع اثنين من أضخم الاقتصادات العالمية أولاً. وثانياً: للتعرف عن كثب على أجزاء واسعة من سكان يقطنون الخليج، ولا يكاد الخليجيون يتفاهمون معهم بلغتهم الأصل، ويرتبط الازدهار الاقتصادي بوجودهم. ولا تخفى الضرورات الأمنية في هذا المجال.
ويمكن أن تضاف الفارسية أيضاً، فهي لسان الجارة الكبرى، والكتلة السكانية الأوسع والأقرب إلى الخليجيين جميعاً. وسيلعب تدريسها دوراً مميزاً: فإن صفت القلوب وطابت الأنفس كانت الفارسية جسر تفاهم وانفتاح حضاري، وإن ساءت الظروف ولم تسمح النوايا باللقاء، كانت سلاح وقاية.
أما بالنسبة للغات المعاصرة الأخرى، فهناك في البحرين على سبيل المثال أحياء بكاملها يقطنها أجانب، وأصبحت يافطات المحلات تكتب بالإنجليزية واللغة الأجنبية للمقيمين. وبات العربي بها غريب الوجه واليد واللسان بحسب المتنبي. وتعلم اللغات بداية التوجه للتعامل مع تلك الظاهرة.
ويشكل تعدد اللغات فرصة وتحدياً في آن واحد في تجمع مثل الاتحاد الأوروبي. وتتحدث دراسة قدمت لها وزيرة التعددية اللغوية والشباب أندرولا فاسيليو ووزير الضرائب والجمارك ألهرداس شميتا عن أهمية تدريس اللغات في وقت مبكر، وعلى نحو التحديد تشير إلى تدريس لغتين إضافة للغة الأم للتلاميذ في أعمار مبكرة. وهذه الخطة تتجاوز الدراسات الأكاديمية السابقة التي هي دراسة أفراد وخبراء وأكاديميين وعادة ما تنتهي إلى التمكن من اللغات قراءة واطلاعاً، وليس استخداماً يومياً. ووجه التشابه أو الاختلاف مع الحالة الخليجية هو أن الاهتمام بالتعددية اللغوية موجود بأعلى المستويات ويستجيب لحاجات كثيرة ليس الاقتصاد إلا واحداً منها.
ويمكن للعبرية أيضاً أن تكون إحدى اللغات المدرسة لأسباب لا تخفى. وهي لغة قديمة – حديثة. وبينما تحتفظ الدولة العبرية بعشرات المختصين والمتحدثين باللغة العربية، لا تمتلك دول مجلس التعاون أية تجارب في تلك اللغة وتراثها. ويمكن لتلك اللغة أن تكون موضع تدريس بأي من المدرستين لطبيعتها ولشدة الحاجة لإتقانها.
ويفترض المرء أن الدعم الخليجي يوفر الميزانية لتلبية الحاجة ويبقى اتخاذ القرار المناسب، حقاً للمسؤولين في البلدين. وأهل مكة أدرى.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق